نور العين
28-01-2008, 09:12 PM
الثالثه والنصف
كذلك بدلاً من أن تتكلمي عن الصغير باسمه على مسامع الكبير، أحسن لو قلتِ ولدنا، ولدنا نام، ولدنا صحا، ولدنا يضحك لك، ولدنا يحبك، دائماً اذكروا للكبير كيف كان هو وقت ما كان صغيراً، كيف كان شكله، كيف كانت فرحة الجميع به، ماذا قالوا عنه؟ كيف جاءت هدايا حلوة له، بمناسبة الهدايا، الزوار أحياناً يحضرون هدايا للمولود وينسون الكبير، لذا وفّر عندك كمية من الألعاب حتى يأخذ الكبير هدية أيضاً ونشاركه اللعب بها، على ذكر الهدايا بين مدة وأخرى قدّمي لعبة جميلة للولد أو البنت الكبيرة وقولي لها: مريم حبيبتي هذا أخوك سليمان يحبك ووده يهديك بس ما يقدر علشان صغير، علشان كده أنا بأعطيكي هدية بدل سليمان تفضلي واكتبي عليها هدية من سليمان لأختي الحبيبة مريم، كرروا هذه الهدايا حتى يبدأ تأثيرها الإيجابي، ثم أثيروا رغبة البنت أو الولد ليقدم بدوره هدية للصغير، هذا بالنسبة للغيرة .
فيه أمر مهم يمكن استغلاله إيمانياً في غرس مراقبة الله، في السابق كان يظن الطفل أن أمه أو أباه يعرفون كل شيء يشوفه هو، يعني إذا طل من النافذة مثلاً يتصور أن أمه ترى المناظر التي هو يراها حتى لو كانت أمه بعيدة عن النافذة، في سن الثالثة والنصف يبدأ يكتشف أنهم ما يرون كل شيء، وأنه ممكن يخبئ عنهم بعض الأشياء، ساعده أيها الأب الكريم على وضوح هذا المفهوم عنده، ويمكن أن تلعب معه حالياً ألعاباً وما تعرف أنها تساعده فعلاً على وضوح هذا المفهوم عنده، مثلاً لما تسوي نفسك تدور عليه تبي تصيده وهو يتخبى منك وراء الباب أو وراء الستارة أو بين الكنبات أو تحت الطاولة، وأول ما تصيده يعطيك الضحكة الحلوة وتشوف ابتسامته الكبيرة تملأ وجهه يستأنس خصوصاً إذا فهم من تعابيرك أنك ما كنت تشوفه، من جانب آخر مهم جداً يا إخواني يا إخواتي أن نكرر على مسامعه بعد ما تنتهي اللعبة ونستأنس معه، بل في كل مناسبة ممكنة في هذا العمر وغيره، أنا ما أشوفك لكن الله يشوفك، أنا ما أدري وينك الله الذي يدري، الله يشوف كل شيء، الله يعرف كل شيء، أنت تعرف تتخبى عني وراء الستارة بس ما تعرف تتخبى عن الله، ونغرس في نفسه مراقبة الله من خلال اللعب، وهذا السن سن مناسب لغرس مراقبة الله عنده، أورد محمد نور سويد في كتابه القيم (منهج التربية النبوية للطفل) ما يجعل الإنسان يتعجب، كيف وفّق السلف الصالح إلى غرس مفهوم مراقبة الله في قلوب أطفالهم في الوقت المناسب لغرسها، تأمل معي كيف كان محمد بن سوار يعلم ابن أخته سهل بن عبد الله التستري وهو ابن ثلاث سنين أن يكرر في قلبه كل ليلة (الله معي، الله ناظري، الله شاهدي) حتى نشأ سهل على مراقبة الله فكان من العباد الزهاد، هي والله التربية الحقيقية أن تربي طفلك على مراقبة الله.
سن الثلاث سنوات ونصف مرحلة هامة في بناء الطفل النفسي، فهي من ناحية جرس إنذار للوالدين ليمنحاه أهم ما يحتاجه يمنحاه الأمان والحنان من خلالهم ومن خلال الربط بالله _سبحانه وتعالى_، ومن ناحية أخرى تنمي عند الطفل مقاومة للضغوط المختلفة والتي ينتظره الكثير منها في حياته، هذا هو طفل الثلاث سنوات وكيفية التعامل مع ثورته العاطفية .
إذن طفل السنتين متوازن يسهل على الوالدين التعامل معه إلى حد ما نظراً للتحسن العام الذي يمر فيه في مختلف النواحي، ثم تزداد حاجة الوالدين للحكمة والحلم والصبر في تعاملهم مع ابن السنتين ونصف السيد (لا) ذلك الطفل غير المتوازن المستقل الصعب، ثم يرتاح الوالدان نسبياً لتوازن ابن الثالثة حافظ الكلمات وصانع القاموس، ثم متاعب الوالدين في تعاملهما مع القلق الخائف الباكي الغيور ابن الثالثة والنصف ويحرصا على توفير الأمان والحنان اللازم لاحتواء ثورته العاطفية المؤقتة التي تنتهي عند بدء مرحلة جديدة، مرحلة ثورة السلوك، يقدر المختصون متوسطها بسن الأربع سنوات
طفلك في الرابعة
ثورة السلوك وسن الأربع سنوات هي حديثنا التالي، في سن الأربع سنوات، تنتهي ثورة العاطفة وتبدأ ثورة مؤقتة من نوع آخر، ثورة هامة للطفل ومتعبة للوالدين، في سن الأربع سنوات تبدأ ثورة السلوك، من بعد ما كان يزعج والديه بخوفه وبكائه أصبح يزعجهم بحركته وعناده، ومن بعد ما كان يزعجهم بعدم ثقته في حب الآخرين له بتوتره وقلقه أصبح يزعجهم بحركته وعدم سيطرتهم عليه.
تحتاج منا شخصية الطفل الثائرة في هذه المرحلة الصعبة إلى الرضا بها وتقبلها رغم عيوبها مع بعض الإجراءات التي نقوم بها، وهي في النهاية مرحلة مؤقتة ستتغير تلقائياً _بإذن الله_ وقريباً وبدون ما تستهلك أعصابك ويأتيك الضغط والسكر بالع**** هدئ نفسك، وتحمل ما يخالف في المدة المؤقتة، اعلم أن الكلام سهل، وأن الواقع عليكم صعب بمعنى الكلمة، أقدّر والله هذا الشيء ولا أتجاهله، ابن الأربع سنوات ثائر حركياً يضرب يتخانق يرفس يرمي الأشياء ي****ر الأشياء يهرب ما تقدرين عليه، ثائر عاطفياً تجدينه يضحك ضحكات عالية بدون سبب يستاهل ثم يبدلها بثورات غضب، ثائر لغوياً، الله يعينكم، الألفاظ الوسخة التي لقطها في سن الثلاث سنوات وقبلها الآن تخرج ما تعلم من أين أتى بها ممكن يردد شتائم أو كلمات متصلة بالنجاسات_أكرمكم الله_ ، وقد يتعمد تكراراها مع ضحكة يعني أنه يعرف معناها ومع ذلك يقولها عناداً، المهم أنه ما يكون أحد الوالدين يردد هذه الألفاظ والطفل يقلده، غير هذا المسألة سهلة وبسيطة؛ لأن غالباً الولد يستلفت سمع والديه بهذه الكلمات، وبالتالي يمكن نزع الفتيل بعدم تحقيق ما يتمنى من لفت الأسماع والأنظار، بل كأنه ما قال شيء ونغير الموضوع مع استغلال أقرب عمل جيد يقوم به الطفل لإعطائه الشكر والثناء والاهتمام، فنشبع حاجته للاهتمام به مع ربط هذا الاهتمام بالصواب ليس بالخطأ .
إلى جانب ثورته الحركية واللفظية يكون ثائراً في علاقاته مع من حوله، يعاند أباه وأمه ويستهين بأوامرهم وتوجيهاتهم وعقوبتهم، ما فيه مانع تشدون عليه إذا لزم الأمر مع توفير اهتمام أكبر عندما يفعل الصح بدون ما نقع في الرشوة، مثلاً نرشيه بالخروج معنا إذا ما ضرب إخوانه، إنما نكافئه بدون وعود مسبقة، وسبحان الله الخالق العظيم، خلف كل الصور السلبية التي ذكرتها قبل قليل تختفي ميزة رائعة ومهمة جداً هي ثقته في نفسه وفي استقلاله وأن له إرادة، هذه الثورة المؤقتة في سلوكه هي ولادة الثقة في نفسه ومظاهر تعامله الجديد معها لذلك يحتاج هذه الثورة المؤقتة كما نحتاج نحن للإرادة والثقة في أنفسنا، نعم نهذب هذه الثورة لكن ما نقمعها؛ لأن الحزم الزائد سيؤدي إلى مزيد من العناد وتتأكد هذه الصفة عنده .
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه (طفلك الصغير هل هو مشكلة): "الآباء الذين يبالغون في الحزم والأمر والنهي قد يثبتون في نفس الطفل أسلوب العناد والتحدي لإثبات ذاته". انتهى كلامه .
لكن متى ما كان الوالدان إيجابيين في نظرتهم لهذا التمرد مثلاً استقبلوه على أنه بناء للشخصية ما له أي علاقة بسيادتهم على البيت ارتاحوا وهدؤا كثيراً، وبنوا شخصية قوية لابنهم وعلاقة أقوى معه مقابل قليل من الصبر في مدة بسيطة مؤقتة .
مهم أيضاً مقابلة بعض مواقف الولد المزعجة بهدوء قدر ما تقدرون هدوء الفاهم لهذه المرحلة وبعد ما يهدأ الولد وينتهي الموقف نبدأ نناقشه بلطف ترونه يخجل ويستحي من نفسه، أحياناً تكفي النتائج الطبيعية لأخطائه كعقوبة له، مثلاً الطفل عاندك وأصر عند الخروج أن يلبس شتوي في يوم حار، ننبهه في البداية، وإذا أصر أن يلبسه اترك الحر يلقنه الدرس نيابة عنك سيستفيد من هذه التجربة ربما أكثر من كلام .
وقد ذكر الدكتور شحاتة محروس في أشرطته الرائعة (طفلك من الميلاد حتى ست سنوات) أساليب التعامل مع أمثلة أخرى من العناد، ويمكن الرجوع إلى تفاصيل أكثر في أساليب ضبط الطفل في هذا العمر وغيره في كتاب (كيف تعالج متاعبك من سلوك ولدك) للدكتور محمد الحجار، وكتاب (حاول أن تروضني) وهو من إصدارات مكتبة جرير، وكتاب (انضباط الأطفال ) للدكتور بري برازلتون.
فيه شيء يحتاج ننتبه له، في كثير من الأحيان لما يعاند الطفل ويصمم على شيء، هو يتشبه بأبيه وأمه لما يصممون على فعل الذين يريدون بدون توضيح أو إقناع، وهذا خلاف هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ الذي كان يوضح للطفل ويبرر له، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال _صلى الله عليه وسلم_: كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة، تبرير وتوضيح طيب خاطر الطفل برفق في كلمات قليلة، أشار لذلك مصطفى بن العدوي في كتابه (فقه تربية الأبناء ).
يمكن تخفيف عناد ابن الرابعة بإعطائه مساحة أكبر من الحرية وتقريب الألعاب الهادئة كألعاب الذكاء التعليمية والقصص، على أي حال نتوقع هدوء هذه الثورة في سن الأربع سنوات ونصف تقريباً وربما تنتهي مدة التمرد وثورة السلوك قبل ذلك إذا أحسنا التعامل معها، وما تسببنا في إطالتنا بسوء تكيفنا مع هذه المرحلة، إذن سن الرابعة هو المتوسط المتوقع لمرحلة ثورة الطفل السلوكية أو مرحلة التمرد والعناد وهي مرحلة مؤقتة طبيعية وهامة للطفل رغم صعوبتها .
ما ذكرناه _بإذن الله تعالى_ يقلل هذه الصعوبات ويزيد راحتكم ويعينكم على أن تنموا في طفلكم خلالها الإرادة والانضباط والثقة والاستقلالية التي يحتاجها في حياته دون أن تصنعوا داخله إنساناً مدللاً أو عنيداً.
انتهى حديثنا الآن عن ثورة السلوك عند ابن الرابعة .
طفلك في الرابعة والنصف
ننتقل بكم للحديث عن ابن الرابعة والنصف وثورة جديدة هي ثورة العقل عند ابن الرابعة والنصف، كيف يمر ابن الرابعة والنصف في ثورة العقل وكيف نتعامل معها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة في حديثنا التالي _بإذن الله_، يبدأ طفلك في سن الأربع سنوات ونصف تقريباً مرحلة جديدة نسميها مرحلة الفيلسوف الصغير، إذا كانت الثلاث سنوات ونصف ثورة العاطفة، والأربع سنوات ثورة السلوك، الأربع سنوات ونصف ثورة العقل يركز أكثر يناقش ويحاور أكثر ويستفسر أكثر ويسأل في كثير من الأمور سيثير ردود فعل مختلفة يثير إعجابكم ودهشتكم بأسئلته أحياناً وبعض أسئلته قد تربك الوالدين خصوصاً إذا ما كانوا يعرفون الجواب وفي نفس الوقت ما يريدون أن يشعر ابنهم بجهلهم وهذا خطأ طبعاً .
وانظر بعد ذلك إلى (الترقيع والتصريف)، هذا ولد سأل أباه يا أبي لماذا البيض الذي نشتريه ما يفقس ويطلع كتاكيت، الأب توهج ما يعرف، بغى يصرفها قال لا هم يعطون إبر مثل التي عند الطبيب علشان ما يفقس، يا سلام على الجواب، لا والولد قعد له، راح جاب بيضه وسأله وين مكان الإبرة فالأب تورط مضبوط، ومع إلحاح الطفل اعترف بس متأخر، قال: والله يا ولدي ما أدري ليش البيض ما يفقس، يا ليت هذا الأب من البداية قال والله سؤالك ذكي ولا أعرف جوابه الآن، لكن _بإذن الله_ نسأل واحداً يعرفه، هذا أفضل من أن يكذب ولا يعترف بجهله ويهز مصداقيته عند ولده، ويثبت له عملياً أن أباه كذاب، أو يقول له معلومة غير صحيحة، إذا كنا نريد أن تبقى رغبة أطفالنا في التعلم حية فاهتمامنا بالإجابة الجيدة عن أسئلته أفضل وسيلة لذلك، اهتمامنا بالإجابة الجيدة عن أسئلته وسيلة لزيادة قاموسه اللغوي من خلال هذه الإجابات، وسيلة ممتازة تشجع على التعبير عن نفسه من خلال الأسئلة، الطفل من خلال أسئلته يعبر عن اهتماماته وفضوله في تلك اللحظة، بل أحياناً تعبر أسئلته حتى عن مخاوفه وقلقه وعن تساؤلات أخرى أكثر عمقاً وخطورة .
لكل ما سبق نحتاج لبذل العناية الصادقة بأسئلة الطفل، أسئلة الفيلسوف الصغير أو ابن الرابعة والنصف تكون كثيرة جداً، ولا يراعي عند طرحها التوقيت المناسب، فتحصل الأب يريد ينام أو مصدع أو مشغول أو عنده مشكلة ومنفعل، وهذا جاء يسأل سؤال رايق، يا أبي لماذا السماء زرقاء؟ يزيدها فعلاً على أبيه، المهم في مثل هذه الحالات أن يضبط الأب ردة فعله، وجميل لو قال لابنه حبيبي أنا مشغول الآن أو ودي أرتاح شوي لكن بعد صلاة المغرب أقدر أسمع لك زين _بإذن الله_، وهي فرصة كذلك ليفكر في الجواب إذا ما كان يعرفه .
أحياناً تسبب أسئلة الطفل إحراجاً للوالدين مثل سؤال كيف أنا جئت، أو بعض الأسئلة العقدية، أو أسئلة عن الطبيعة والكون والمخلوقات، وغيرها مما يصعب على الوالدين تقدير الجواب المناسب، توجد بعض الكتب القليلة التي تعين في هذا الجانب مثل (سلسلة أسئلة وأجوبة في العلوم)، وهي سلسلة قيمة تنشرها مكتبة العبيكان، صدر منها ستة كتب أنصح باقتنائها والحرص عليها سلسلة أسئلة وأجوبة في العلوم، وهناك كتاب (أسئلة طفلك الحرجة) لشاهيناز عبدالفتاح، وكتاب (الأسئلة العقائدية عند الأطفال) للدكتور بسام العموش، كما يفيد في هذا الجانب شريط الدكتور عبد الكريم بكار (كيف نرتقي بفكر أطفالنا) ولا تزال المكتبة المقروءة والمسموعة فقيرة في هذا الجانب .
هذا النمو العقلي السريع عند طفلك يحتاج إلى استعدادك وصبرك واهتمام بأسئلته وإجابتك عنها الإجابة الصادقة والصحيحة وله شرط قبل كل شيء، الشرط أن الذي تقوله يكون صحيحاً، بالإضافة إلى صحة الإجابة ابنك يفضل الإجابة المحددة، يعني ما يريد تقول هذا طير مثلاً يريد أن تحدد له، هذه حمامة أو غراب أو ببغاء وهكذا، بعض الأطفال على خلاف الشائع في هذا العمر ما يسألون، في هذه الحالة نحن نبادره بالتساؤلات المختلفة نستفز عقله بها، لماذا السمك ما يغرق في الماء، إيش يسوي العصفور الذي أمامنا؟ كيف ينزل المطر؟ ونعطيه فرصة للتفكير ونحاول أن نعطي قيمة ما لأي محاولة إجابة وإن كانت خاطئة .
وما أجمل أن تكلف الأم الحريصة إحدى بناتها أو أولادها الأكبر سن بتدوين أسئلة الطفل وهم غالباً سيرحبون بهذه المهمة، خصوصاً إذا لمس اهتمامكم وتشجيعكم كما أنهم قد يجدونها ممتعة لهم فمن ناحية نغرس في نفوس الكبار قيمة السؤال عموماً وأنه موضع تقدير فيسألون كما نغرس في نفوسهم العناية بأسئلة أطفالهم مستقبلاً حينما يصبحون آباء وأمهات ومن ناحية أخرى يكون عندكم دفتر بأسئلة ولدكم يساعدكم في البحث عن إجاباتها وتوقع أسئلة إخوانه وأخواته من بعده والاستعداد لها، وسيكون هذا الدفتر قطعة غالية عليكم، وعليه بعد سنين وتستمتعون بتأمل نمو تفكيره ويكون ما جمعتم نواة لكتاب عن أسئلة طفل تربى في بيئتنا وثقافتنا كتاب كهذا ينتظره ويرغب في قراءته كثير من الآباء والأمهات، وكل هذه الفوائد بدون عناء يذكر من الأبوين كم يسعد الطفل عندما تبادرونه بإجابة عن سؤال من أسئلته السابقة وإن لم يذكّركم به فاهتمامكم بالإجابة الجيدة عن أسئلته سيكون لها أثر كبير بإذن الله عليه وعلى علاقتكم معه ويؤهلكم لتكونوا مصدر المعرفة الأول والموثوق فيه على مدى السنوات القادمة بدلاً من تلقي معلوماته من مصادر مشبوهة خصوصاً فترة مراهقته .
نحن نشبع احتياجه المعرفة كل ما يريده منها اهتمامنا بأسئلته وصحة الإجابة عنها وملاءمتها لفهمه ومدى رغبته بالاستماع ومن أهم وسائل الإشباع المعرفي أن نحببه في القراءة ونربطه بالكتاب منذ سنواته الأولى.
من بين الأساليب التي تحبب طفلك في القراءة أياً كان عمره أن تربط أسئلته بالكتاب خصوصاً التي ما تعرف إجابته حفاظاً على مصادقيتك ممكن يسألك مثلاً فراشات إيش شكلها؟ أو كيف تطير الطائرة؟ إذا ما تعرف اطلب منه أن يشترك معك في البحث في مكتبة البيت مباشرة وحتى لو ما يعرف يقرأ تعال يا ولدي امسك الكتاب، وهذا الكتاب، بعد تعال اقعد في حضني أين صورة الفراشة؟ أين صورة الفراشة؟ نعم هذه صورة الفراشة خلنا نشوف ويش يقولون عنها، وإذا ما كان عندك كتب تجيب عن سؤاله، قل : الآن أنا ما أدري، لكن _إن شاء الله_ إذا زرنا المكتبة نشوف كتاب يكلمنا عن الفراشات أو الطائرات ونفذ وعدك فعلاً واحصل معه على الكتاب في أقرب فرصة من أكبر المكتبات وأكثرها تنوعاً .
انتهى حديثنا عن ثورة العقل في سن الأربع سنوات ونصف ومن قبلها ثورة السلوك في الرابعة وثورة العاطفة في الثالثة والنصف، الآن بدأ طفلك يستقر ويهدأ
طفلك في الخامسة
حديثنا التالي عن سن الخمس سنوات، سن الخمس سنوات تعد من أجمل سنوات الطفولة، في الخامسة تقريباً يتوقع أن يكون الطفل في أحسن نفسية وأجمل صفات وتختفي التقلبات السلوكية، ويكون أكثر ثباتاً يتكيف مع الآخرين بشكل إجمالي هادئ ولطيف ويبحث عن أدلة لمحبة الآخرين يحب البيت راض عن أسرته وأوضاعها، في هذه المرحلة يتعلق الطفل بأمه بشكل أكبر من المعتاد، تجدينه دائماً يا أختي قريباً منك يقلد حركاتك، لذلك مهم أن يراعي الوالدان كونهما القدوة في علاقتهم بالله وفي كل سلوكياتهم، ابن الخامسة يعرض مساعدته على أمه ويتلذذ بطاعتها وأخذ توجيهاتها والاستئذان منها، شجعيه يا أختي على الاستقلالية بأسلوب لطيف، شجعيه يأكل لوحده، ويرتدي ثيابه لوحده، وإذا بدأ يحاول في شيء ما لا تستعجلي مساعدته قبل أن يتسنى له الوقت الكافي للتجربة، وانتظري حتى يطلب المساعدة بنفسه ثم عمليه خطوة إضافية واحدة واتركيه ينجزها وامدحيه في بعض مراحل النشاط وليس في كلها.
هذه الإجراءات تنمى فى الطفل الاستقلالية والاعتماد على الذات في هذا العمر وأي عمر .
يا إخواني وأخواتي تغيرات سلوك الطفل المتصلة بعمره سواء صعوبة التعامل مع ابن السنتين ونصف أو سهولته مع ابن الثالثة أو ثورة العاطفة أو ثورة السلوك أو ثورة العقل أو مرحلة الهدوء والاتزان والطاعة عند ابن الخامسة أو التغيرات التي سنذكرها بعد قليل _بإذن الله تعالى_ كلها تشبه الورقة التي يخرجها جهاز تخطيط القلب، الورقة إذا تذكرون يكون فيها خط تتخلله ارتفاعات ثم انخفاضات ثم ارتفاعات ثم انخفاضات وهكذا، ما معنى أنه إذا خرجت الورقة فيها خط مستقيم بدون ارتفاعات أو انخفاضات معناه أن هذا الإنسان مات توقف قلبه عن العمل، وهذا ما سيحصل لأطفالنا فتموت شخصياتهم وتتوقف عن النمو إذا قررنا خطأ محاربة هذه التغيرات التي هيأها اللطيف الخبير لو حاربنا هذه التغيرات وقمعناها مش بس نتعب عيالنا وعلاقتهم معنا، لا، نحن نحرمهم من فرصة الاستفادة الطبيعية من المرحلة المؤقتة وسنهدر طاقتنا وأعصابنا ووقتنا في مقاومة فطرة الله التي فطر عليها الأطفال عموماً ومن بينهم أطفالنا.
إذن دعونا نتفاعل مع هذه التغيرات المؤقتة بشكل إيجابي .
ملاحظة هامة: لسببين اثنين قد لا تلاحظون السمات التي نذكرها لبعض المراحل في شخصية طفلكم أحياناً أو تلاحظون بعض سمات المراحل وليس كلها .
السبب الأول: أن العمر وسماته المتوقعة عامل مؤثر من بين عوامل أخرى مؤثرة قد تفوقها تأثيراً أحياناً مثل الفروق الفردية أو البيئة وهي تشمل كل ما يحيط بالطفل، ومع هذا يظل العمر عاملاً هاماً ومؤثراً جداً ويفيد الآباء والأمهات كثيراً في فهم واستيعاب وتربية أطفالهم.
السبب الثاني: توقيت مرور ابنك بالمرحلة وسماتها قد يكون مبكراً أو متأخراً نسبياً عن متوسط العمر المتوقع لها، يقول الدكتور فاخل عاقل في كتاب (سلوك الطفل): "لو كان لدينا مئة طفل أعمارهم أربع سنوات فإن نصفهم سيسلكون السلوك المتوقع حدوثه في هذا العمر، وربعهم يكونون قد مروا به مبكراً وتجاوزوه، وربعهم لم يصل إليه بعد". انتهى كلامه .
طفلك في السادسة
حديثنا التالي _بإذن الله_ عن سن السادسة، سن السادسة هو المتوسط المتوقع لمرحلة جديدة يتمركز فيها الطفل حول ذاته يتوقع أن يكون ابن السادسة مندفع العاطفة أحياناً قليلة بصورة إيجابيه تجاه غيره كحنانه على إخوانه الصغار وعطفه عليهم، ولكن الأغلب أن يكون ابن السادسة مندفع العاطفة نحو ذاته فتجد عنده الأنانية والطمع يريد أن يكون له الأولوية في كل شيء يريد أن يكون محبوباً أكثر من غيره يريد أن يحصل على نصيب الأسد طمّاع ما يصح تخيره بين لعبتين؛ لأنه يريد الاثنتين واحرص ألا تأخذ شيئاً من ممتلكاته وتعطيها طفلاً آخر يلعب بها إلا بإذنه ولا تسمح لأحد أن يأخذ دوره في اللعب أو غيره إلا بإذنه ولا حتى الكبار.
فديننا العظيم الذي علّم الصغار الاستئذان احتراماً لخصوصيات الكبار هو ذات الدين الذي علّم الكبار الاستئذان من الصغار، سواء في عمر الست سنوات أو غيره احتراماً لخصوصياتهم ولا هو استئذان ملاطفة ما له قيمة، لا، بل وهب الصغار حق الرفض أو القبول وعلّمنا احترام قرارهم، أخرج البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله ما أوثر بنصيبي منك أحداً قال: فتله رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في يده، أي: وضع الشراب في يده، ثم تأمل كيف أقر الصغير حقه في الرفض مع عظم قدر المستأذِن والمُستأذَن لهم، وهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ وكبار الصحابة .
ابن السادسة لديه رغبة شديدة في الفوز وإذا انهزم ما يتحمل يصيح ويبكي، ويتهم إخوانه أنهم غشاشين، اندفاع عاطفته نحو ذاته يضعف قدرته على التعامل مع لحظات خسارته وإخفاقه وإحباطه، وهذا يجعل ابن السادسة عموماً سريع البكاء ينفجر ويبكي بسهولة .
إخواني أبناؤنا يتعلمون منا التعامل مع الحزن والخسارة والإحباط مثل ما يتعلمون منا أي شيء آخر، لذلك طفل السادسة يراك أنت كيف تتعامل مع ما يحزنك أو يحبطك ويضايقك بصبر ورضا وروح رياضية وابتسامة، في المرحلة السابقة كانت أمه هي مركز العالم بالنسبة له هي محور اهتمامه، الآن في السادسة يريد أن يكون هو مركز عالمه الخاص وبؤرة اهتمامه، ولذلك يتوقع أن تسوء علاقته بأمه نسبياً بسبب تمركزه حول ذاته، وحتى مع غيرها تجده سلبياً مع الآخرين ينفر من الأوامر ويتملص منها ويحوّلها على إخوانه ولا يتقبل النقد واللوم بسهولة، وبما أنه يحتاج بشدة للمديح والثناء فبإمكان الأم الواعية ومن حول الطفل أن يحسنوا علاقتهم معه ويؤثروا في سلوكه بأن يقللوا من النقد واللوم والأوامر إلى أقل حد ممكن ويمدحونه على تصرفات محددة وليس مدحاً عاماً، كما ينقلون له ثناء الآخرين عليه ويدعون الله له بما يحب وتهفو إليه نفسه فيربطون رغباته التي يتعلق بها بشدة في هذه المدة بمن يقضيها له بالله _سبحانه وتعالى_ كما يحدثونه دائماً عن الجنة وما فيها من متع ورغبات يشتهيها ويتمناها فيشوقونه لها ويغرسون حبها والعمل لأجلها في قلبه .
وللحديث بقيه ان شاء الله
طفلك في السابعة
سن السابعة هي السن التي أمرك فيها حبيبك محمد _صلى الله عليه وسلم_ أن تأمر فيه أولادك بالصلاة، يميل ابن السابعة أن ينسحب من مواقف كثيرة ويراقبها فقط يميل للتأمل والاستقرار ويفضل الوحدة نسبياً، وهذا التأمل وهذه العزلة النفسية التي هيأها الخالق العظيم لابن السابعة وأشارت إليها معاهد متخصصة في هذا المجال كمعهد ديزل لنمو الطفل في الولايات المتحدة، هذا التأمل وهذه العزلة عند ابن السابعة تكشف لنا جزءاً محتملاً من الحكمة الشرعية في تحديد سن السابعة بالذات لبدء أمر الطفل بالصلاة كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين" اختيار هذا التوقيت سن السابعة تحديداً لبدء الأمر بالصلاة له حكمته، ولعل من هذه الحكمة أن الصلاة تحتاج إلى قدر من التدبر والتأمل والاستقرار والسكون والعزلة النفسية عن العالم الخارجي وشواغله وهي صفات هيأها الخالق العظيم بحكمته البالغة _جل وعلا_ في هذا العمر، فسبحان الله الخالق البارئ المصور الذي علّم من لا ينطق عن الهوى _صلى الله عليه وسلم_، نسأل الله أن يرزقنا حسن اتباعه والسير على هديه، هذه من ناحية الصلاة.
من ناحية الأنشطة والمهارات الحياتية التأمل والمراقبة عند ابن السابعة هي المرحلة الأولى لإتقان هذه الأنشطة والمهارات ويتبعها مراحل أخرى _كما سيأتي بإذن الله_ وكلها جعلها الله _سبحانه وتعالى_ إعداداً للطفل وعوناً لوالديه على تربيته، دورنا توجيه طاقة التأمل الذهبية المتفجرة في هذا السن إلى ما ينفع الطفل فيحرص الوالدان على إبعاد أو التقليل من الأجهزة التي تنصرف فيها هذه الطاقة هدراً في غير ما ينفع ليخلو المجال أمامه فيتأمل ما يراه من أنشطة إيجابيه ومسؤوليات ومهام للأب والأم أياً كانت هذه الأنشطة سواء نواح تعبدية أو اجتماعية أو مسؤوليات منزلية نافعة ترتيب تنظيف تصليح وأعمال المطبخ خصوصاً إذا كانت الأم تشجع بناتها وأبناءها على دخول المطبخ ومشاركتها وتصبر على جهلهم وأخطائهم يمكن للأب توجيه طاقة التأمل عند الطفل إلى الطبيعة ومن خلق هذا الكون وأن الخالق الله العظيم والمستحق وحده للعبادة، نخيم بالبر، أصعد معه جبلاً صغيراً، أجلس معه على بحر نصيد، آخذه المزارع يرى رحمة الطيور وهي تطعم صغارها، الورقة التي سقطت من الشجرة آخذها وأضعها في يده وأقول له انظر هذه الورقة اليابسة انظر اللون الأصفر، هذه الأملاح الزائدة التي تضر الشجرة، هذه الورقة جمعت هذه الأملاح الزائدة لتحمي أخواتها وسقطت وماتت وتصير سماداً تتغذى عليه الشجرة إذا احتاجت تموت الورقة لتحيى الشجرة كلها تتوقع كم ورقة سقطت من هذه الشجرة ليل نهار من وقت ما زرعت كثير صح!
وكل الشجرة يا ولدي ما تكون قوية وعزيزة إلا إذا تقدموا عيالها للموت ليل نهار من أجلها، تظن يا ولدي كم ورقة سقطت من كل هذه الأشجار من وقت ما وضعت هذه الورقة في يدك؟ أنا وأنت لا نعرف، لكن الله _سبحانه وتعالى_ يعرف كل ورقة سقطت من كل شجرة في الدنيا في كل الأزمان، يقول الله _سبحانه وتعالى_: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (الأنعام:59)، وهذا شيء يسير جداً جداً من علم الله _سبحانه_.
انظر لهذه المواشي انظر كيف تُذبح، الله _سبحانه وتعالى_ هو الذي خلقها وخلقنا أمرنا أن نتقرب إليه وحده بذبحها، ونتقرب إليه وحده في كل عباداتنا، قل له وأنت تظهر الألم الشديد، تصدق يا ولدي أنه فيه ناس يعبدون البقر وناس يعبدون الثيران، وإذا كان البقر والثيران حية تتحرك، فيه ناس أردى بعد، فيه ناس يعبدون حتى الأموات، تخيل يدعونهم ويذبحون لهم ويتبركون بهم، تصدق أنه فيه ناس يقولون إنهم مسلمون ويفعلون هذه الأفاعيل؟ عسى الله يثبتنا على التوحيد ويميتنا عليه، هذه نعمة أنك تصير في أسرة توصيك بالتوحيد وتحذرك من أعظم مصيبة وأكبر وأقبح ذنب يقع فيه الإنسان تحذرك من الشرك.
وهكذا تستغل كل مناسبة ممكنة في هذا العمر وغيره حتى آخر يوم في حياتك لتعظم عنده أمر التوحيد وتحذره من الشرك بأنواعه، تقرر هذه القضية في نفسه حتى يكون توحيد الله قضية حياته الكبرى، تأمل كيف جعلها الله أولى وصايا لقمان لابنه وأعظمها "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان:13)، قضية التوحيد هي خير ما تستثمر فيه طاقة التأمل الذهبية عند طفلك وكذلك بقية وصايا لقمان وما يتفرع عنها.
إذن في سن السابعة تقريباً يميل الطفل إلى التأمل والفردية والعزلة النفسية بدون مشاركة
طفلك في الثامنة
حديثنا التالي عن ابن الثامنة هل تستمر العزلة عند ابن الثامنة؟ لا، ابن الثامنة مغامر يتوقع المختصون أن يخرج من عزلته ويستشعر رغبة في المغامرة، هذه الرغبة هي الدافع الذي ينعم به الله على الطفل وعلى من يربيه ليسهل إ****ابه خبرات واقعية من خلال المحاولة والخطأ، هذه المرحلة التي يمر بها ابن الثامنة هي مرحلة التجربة يمنحه خالقه فيها القدرة على تجاوز العثرات والأخطاء دون يأس أكثر من المراحل الأخرى، إذن ميزتان عن ابن الثامنة:
1 – رغبته في تجربة مختلف الأنشطة.
2 – قدرته على تجاوز أخطائه الكثيرة.
هاتان الميزتان تجعل هذه المرحلة ملائمة لبدء تعليم ابنك المهارات التي لم يتقنها من قبل تعليماً عملياً بالتجربة والمحاولة والخطأ، وإلا أهدر هذا الطفل الميزتين التي أنعم الله بها عليه، وعليك الحذر فيما قد يكون عديم الفائدة، مثل: (السوني، بلاي ستيشن)؛ لأنه سيكون معزولاً عن العالم والحياة بعيداً عما ينفعه فعلاً في دنياه وآخرته، وأنت أيها الأب وأنت أيتها الأم تسيرون بابنكم إلى هذا المآل إلى خوض التجارب الوهمية بدل التجارب الواقعية.
إذا ظننتم أنكم تحمون ابنكم لما تمنعونه من تجربة أنشطة حياتية جديدة لمجرد أنكم تلاحظون عليه العجلة وكثرة الأخطاء هذا هو المتوقع من طفل، وهذا ليس مانعاً يحول دون حقه الطبعي في الممارسة الفعلية والتجربة، بل هذا الطفل الذي يغلط كثيراً هو الأحوج للتجربة أكثر والمحاولة والخطأ، وهو الأولى بعنايتك وصبرك وثقتك بالنجاح الذي حققه هذه الثقة يحتاجها لخوض تجاربه وهي فرصة ملائمة لتدعموا ثقته في نفسه وفيكم وفي علاقتكم تحققون هذا الهدف الهام وهو دعم ثقته في نفسه من خلال عدة أنشطة، ومنها ما يلي:
علّق ورقة لكل طفل ودوّن فيها المهام التي أمكنه القيام بها، وإن لم يكن أداؤه مثالياً كاملاً وامنع نفسك من توبيخه ونقده ولا حتى نصحه وتوجيهه دون طلبه أو المقارنة بينه وبين إخوانه، بل أظهر فرحتك وتشجيعك له عند إضافة مهام جديدة لهذه الورقة وانتهز أقرب الفرص لتفويضه في القيام بها إلى أن يتقنها تماماً.
اختر مع ابنك اسماً مناسباً لهذه الورقة مثل التحدي أو مهارات أو من قدراتي، أو أي اسم يعجبه واكتبها بطريقة لافتة ثم علّق أوراق أولادك الجديدة في لوحة أخبار البيت أو أي مكان بارز، وعلّق القديم من هذه الأوراق في غرفهم واتركهم يرفعون ثقتهم في أنفسهم وفي قدراتهم ويصنعون مكانتهم وقيمتهم بأعمالهم ومسؤولياتهم ويقبلون على تجارب وخبرات جديدة ويقللون الأعباء والمهام عن الوالدين.
أخي الفاضل وأختي الفاضلة، إضافة لاهتمامك بقائمة قدرات عيالك هناك أيضاً استشارتهم جماعياً وفردياً وتخصيص وقت أسبوعي لكل منهم، وإيداع كل واحد منهم أسرار خاصة بينك وبينهم، وملاحظة إيجابياتهم وتقليل نقدك ونصحك وحرصك على العدل والمساواة فيما بينهم كلها تبني الثقة في أعماق كل فرد من عيالك ثقته في ذاته وثقته في مكانته في الأسرة وفي علاقته مع والديه، هذا ما يحتاجه منكم على المدى الطويل لمواجهة المراهقة، وهذا ما يحتاجه أيضاً على المدى القريب ليقبل على تجارب وخبرات ومسؤوليات جديدة وهذا ما نريده اجعله يخوض تجارب جديدة، يشارك في أعمال منزلية لم يكن يشارك فيها، كان في السابق يتأمل النباتات، الآن في الثامنة اجعله يزرعها في وعاء أو في زاوية الحديقة أو يجمع نماذج منها في ألبوم خاص، كان يتأمل كيف تحيى الحيوانات، وكيف تتم رعايتها.
الآن في الثامنة اجعله يربي طير كناري أو حيوان أليف يرعاه بنفسه مع مساعدة من حوله عند الحاجة، وقد أقر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ هذا في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم "يا أبا عمير ما فعل النغير"، ومن هذا الحديث أباح العلماء حبس الطير بشرط إطعامه، كان في السابعة يتأمل كيف يذبح الخروف تقرباً لله، الآن في الثامنة اجعله يعتاد على فصل رأس الذبيحة بنفسه بعد قطع أوداجها وخروج روحها ويشارك في سلخها _إن أمكن_.
انتهى حديثنا عن سن الثمان سنوات سن المغامرة وتجربة المهارات، هذه المهارات نتوقع أن يتقنها في المرحلة القادمة سن التسع سنوات
طفلك في التاسعة
عن سن التسع سنوات يدور حديثنا التالي، نتوقع من ابن التاسعة أنه أتقن المهارات المختلفة مر بمرحلة مشاهدة الأنشطة وتأملها بدون مشاركة في السابعة جرّبها في الثامنة وتدرب عليها أتى بها مرة صح ومرتين غلط، الآن في التاسعة نتوقع أنه أتقن مهارات وأنشطة مختلفة سواء تعبدية أو منزلية أو اجتماعية.
ابن التاسعة لديه ثقة في نفسه مع هدوء داخلي، هذه الثقة وهذا الهدوء عاملان يساعدانه ليكون أكثر استقلالية عن والديه سواء استقلالية فكرية أو استقلالية اجتماعية تجد من استقلاله الفكري عن آراء الكبار أنه رغم اهتمامه بهذه الآراء وتأثره بها إلا أنه يجادل فيها ويتحداها أحياناً فينتقد الكبار يهيئ نفسه ويهيئكم لاستقلاله الفكري المنتظر في مراهقته، علينا أن نتجنب فرض آرائنا الشخصية عليه بل نعرضها عرضاً ونحترم آراءه قد يزداد عدم تقبل ابن التاسعة لآراء الكبار إذا لم يجد منا من يحرص على الاستماع إليه ومعرفة ما يدور في ذهنه من اعتراضات أو آراء مخالفة فيتحاور مع ابنك بشكل سليم ويحترم حقه في أن يكون له رأيه الخاص.
بالمناسبة احترامك لآرائه لا يعني بالضرورة موافقتها، يقول الدكتور عبد اللطيف خياط في كتابه المميز (دليل الأم للأعمار من 8 – 14 سنة): "لا يعني احترامك لأبنائك الموافقة على كل ما يفعلون أو يقولون، وإنما يعني أن تعتقدي وتظهري أن لهم الحق أن يكون لهم آراؤهم ومشاعرهم". انتهى كلامه.
ابن التاسعة يهيئ نفسه وأسرته لاستقلال آخر غير الاستقلال الفكري، يهيئ نفسه وأسرته للاستقلال الاجتماعي المنتظر في مراهقته، فتجده يهتم بأصدقائه أكثر مما يهتم بالعائلة واستعداداً لمثل هذا الاستقلال الاجتماعي نخلق بدورنا الفرص مبكراً لاحتكاكه بالبيئات الاجتماعية المنتقاة التي تعينه على الفضيلة، سواء على الصعيد الأسري في اختيار منطقة السكن واختيار الأسر التي نوثق علاقتنا بها أو على الصعيد المدرسي _إن أمكن_ من خلال المدارس الأهلية الإسلامية المميزة أو على الأقل ذات السمعة الجيدة من المدارس الحكومية ثم تشجعه أيها الأب على حسن اختيار الصديق وتكرم أصدقاءه وتتودد لهم وتحرص أن تكون أنت أقرب أصدقائه إلى قلبه.
الاستقلالية الاجتماعية الناشئة عنده تجعلنا نحرص أكثر وأكثر على تنمية مراقبته لله هذه المراقبة التي بدأناها منذ سن الثالثة واستمرت نختار المواقف المناسبة في الحياة لنتلو على مسامعه قول الله _تعالى_: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (المجادلة: من الآية7)، نردد كثيراً مثل هذه الآية من سورة المجادلة ونربطها بحياتنا حتى ينغرس معناها في نفسه وتبقى حاضرة في ذهنه تؤتي أكلها كل حين.
في هذا السن يع**** ابنك حالته النفسية والمزاجية على جسده أحياناً يعني ممكن يده تؤلمه لما يصير عليه واجب مثلاً، أو بطنه يؤلمه لما يكون لازم يرتب غرفته، ما أستعجل في تصديق أو تكذيب ادعائه أتحقق أكثر إذا تبين فعلاً أنها صورة للهروب مما يكره أتصرف بلطف وأشاركه شعوره أن هذا العمل ممل ومتعب فعلاً إنما يجب القيام به وأبذل جهدي لجعل العمل أكثر متعة، فإذا تجاوب أدعو له بالتوفيق وأتابعه وأثني على جهده يعني مثلاً بنتك يا أختي ما حلت الواجب وبدأت تتعذر أن عيونها تعورت، ليه يا بنتي عسى ما شر وريني عيونك خليني أشوفها إذا حسيتي أن ما فيها شيء، آه الله يعينك أنت عندك واجب القواعد فيه تعب عليكِ، أنا أعرف غير أنه ممل وثقيل دم صح! الشكوى لله بعد، الله يعينك وريني الدفتر أشوف، إيش رأيك إذا خلصتِ الحل نزين الواجب نحط ملصقات ونعدل فيه ونخليه أحلى واجب تشوفه أبلتك، إيش رأيك خلاص ماشي يلا أنا سآتي الآن ملصقات وبعض الحركات والزينة، وأنتِ خلاص ابدئي الله يقويك، بعد ذلك ما ننسى المتابعة ثم الدعاء والثناء على جهدها بعد الإنجاز، كان هذا المثال هو ختام حديثنا عن سن التسع سنوات.
إذن تحدثنا عن ابن السنتين، ثم السيد (لا) ابن السنتين ونصف، ثم جامع القاموس ابن الثالثة، ثم وصفنا الثورات الثلاث (ثورة العاطفة وثورة السلوك وثورة العقل) على التوالي عند ابن الثالثة والنصف وابن الرابعة وابن الرابعة والنصف، ثم مرحلة التوازن والهدوء والتمركز حول الأم في الخامسة، ثم التغلب والتمركز حول الذات في السادسة، ثم المراحل الثلاث لإتقان المهارات والأنشطة وهي على التوالي مرحلة التأمل ومرحلة التجربة ومرحلة الإتقان وظهور الاستقلال أيضاً في السابعة والثامنة والتاسعة، وكما ذكرنا سابقاً كل طفل هو حالة خاصة ولا يتطابق نموه مع أي طفل آخر ولا يوجد الطفل المتوسط الذي يقاس عليه فلا غرابة إذا لم يطابق وصف عمر ما في هذه المادة حال طفلكم .
طفلك في العاشرة
حديثنا التالي عن مرحلة هامة هي سن العاشرة، سن العاشرة هي السن التي أمرك فيها حبيبك محمد _صلى الله عليه وسلم_ أن تلزم فيها أولادك بالصلاة، في سن العاشرة يطلب ابنك المكانة الأسرية والاعتراف بقيمته حالياً بأساليب سلمية، وتتغير هذه الأساليب مدة مراهقته إذا لم تتجاوب معها، كان في التاسعة يهيئ ذاته وأسرته لإشباع حاجته للاستقلال الفكري والاجتماعي القادم في مرحلة المراهقة .
الآن في سن العاشرة يهيئ ذاته وأسرته لإشباع حاجة عميقة أخرى من حاجات المراهقة هي الحاجة للمكانة الأسرية، الحاجة للثقة والتقدير والاعتراف بقيمته كل جنس بما يلائمه، الولد يحتاج لتقدير سمات الرجولة الناشئة في أعماقه وإن ما ظهرت في شكله كقدراته البدنية وتحمله المسؤولية وحمايته للأسرة ورعايته لها وقيمة رأيه وقراره ورغم أهمية ثنائكم على هذه السمات إلا أن ما يشعر بالقبول الحقيقي هو ثقتك فيه واعتمادك عليه، البنت أيضاً تحتاج وبشكل كبير جداً إلى تقدير سمات الأنوثة الناشئة عندها كجمالها الأخاذ وأناقتها الفريدة وذوقها الرفيع ورقة إحساسها وحنانها على الجميع ومع حاجتها الماسة جداً لثنائكم على كل هذا فإنما يشعرها بقبولها الحقيقي أن تشعروها بحبكم لها وبشكل دائم لا يكاد ينقطع، ثناؤكم الدائم وحبكم غير المشروط في غاية الأهمية ويحميها من البحث عنه خارج المنزل مدة مراهقتها.
يسعى ابن العاشرة لنيل مكانته في أسرته والحصول على ثقتهم وتقديرهم بالأساليب السلمية بالسلوك الذي يجتهد أن يكون جيداً، وكما يريده الوالدان سيحرص على طاعتك ورضاك وإعجابك أملاً في المكانة الجيدة المترتبة على هذه الطاعات والرضا والإعجاب ولذلك هذه المرحلة مرحلة ذهبية هذه مرحلة الاستجابة والطاعة والقرب من الوالدين.
ابن العاشرة يهتم كثيراً بكلمتكم وتؤثر فيه أكثر من الاهتمام أو الأثر الذي تتوقعونه أو تعودتم عليه، كلمتكم عنده قانون من القوانين في كل شيء حتى في نظرته لنفسه، يريد منا أن ننظر له نظرة جديدة وهو يستحق ذلك فعلاً ما الذي سيحصل بعد سنوات قليلة إذا لم ينتبه الوالدان لهذا الأمر ولم يشبعا حاجاته على المدى البعيد ليستنتج بتجربته الطويلة أن السلوك الذي حاول أن يكون مثالياً في الأسرة لا يؤدي إلى شيء يذكر من إشباع حاجته للتقدير والثقة والمكانة الأسرية يعني ما يوكل عيش.
فإذا أضفنا لهذا طبيعة المراهقة أدركنا أنا على وشك الانتقال من المسالمة التي جربها وما جابت نتيجة إلى الانفجار والصدام والتمرد رغم حبه الشديد والصادق واحترامه العميق والحقيقي لك وإن أوحت الصدامات بخلاف ذلك ليس فقط يبدأ في صدامات وتمرد بل سيتوجه أيضاً للمجتمع الخارجي لتحقيق الاعتراف بوجوده وإرادته وقيمته ولو كلفه ذلك الوقوع في السرقة أو المخدرات أو التفحيط وغير هذا، يطلب الاعتراف بشجاعته ومهارته ويطلب تحقيق المكانة في الشلة بعد ما يئس منها في الأسرة، وهذه آثار عدم إشباع حاجته للثقة والتقدير والمكانة على المدى البعيد أما على المدى القريب فسيضعف شعوره بالتوازن والأمن والطمأنينة ويصبح ابن العاشرة عصبياً أكثر وقلقاً وتبدأ تظهر عليه مظاهر مثل أحلام اليقظة والغيرة من إخوانه، وقد يصبح نماماً ينم على إخوانه أو غيرهم لعله يلفت النظر بذلك إلى ميزاته هو من خلال الإشارة لأخطاء إخوانه أو يحصل على مكانه من خلال نقل الكلام لمن يهتم بسماعه أتأكد أولاً أنني قد تجنبت أنا شخصياً النميمة، وأنني لا أمثل قدوة سيئة له وأتوجه بالعتب على نفسي وإن لم أقع في هذا الخلق فأنا مَن ألجأته إلى النميمة وعليّ أن أعالج جذور المشكلة التي غرستها بإهمالي، أشبع حاجاته من جديد وأريحه وأعيد إليه شعوره المفقود بالتوازن والتقدير والطمأنينة، هذا ما أفعله على المدى البعيد أما التعامل المباشر مع النميمة عند الطفل سواء في هذا السن أو في الأعمار المبكرة أنك ترفض يا أخي وترفضين يا أختي سماع هذا النوع من الكلام، واسألي الولد بلطف يا ولدي أنا طلبت منك تقول لي أخطاء الناس أو أنا طلبت منك تنقل لي الكلام الذي سمعته من ضيوف أبيك وحتى لو طلبت منك يجوز تقول لي! ما يجوز، معليش يا ولدي أنا آسفة أنا صحيح أحبك، ومع هذا ما أحب أبداً تنقل الكلام لا لي ولا لغيري ثم وجّهي عتابك الداخلي لنفسك وليس له.
أخي الكريم وأختي الكريمة وفري على نفسك معالجة ظاهرة النميمة والجهد الكبير بعد ذلك في التعامل مع صور التمرد المتعبة والمصائب التي قد يقع بها مدة مراهقته من خلال حسن تعاملك مع احتياجاته، واسأل نفسك ما الذي يدعو ولدك مستقبلاً لمزيد من الثوران والهيجان والصدامات وأنت قد بدأت إشباع حاجاته مبكراً؟ ما الذي يدعو بنتك مستقبلاً أختي الكريمة لمزيد من القلق والاضطراب والمتاعب وأنت قد بدأتِ إشباع حاجاتها مبكراً وركّزتِ على هذا السن، سن العاشرة، هذه المرحلة الذهبية مرحلة الطاعة والاستجابة والقرب من الوالدين وسبحان الله الخالق الحكيم هذه المرحلة وما يتصف فيها الناشئ من طاعة وامتثال وما فيها من رابط نفسي قوي بينه وبين والديه، كأن هذه المرحلة تأمين للعلاقة من اهتزازات المرحلة القادمة وكأنها ربط لحزام السلامة قبل الانطلاق في رحلة المراهقة، وسبحان الله هذا الرابط النفسي القوي بين الأب وابنه في سن العاشرة يجعلنا نتعرف على جزء محتمل من الحكمة الشرعية في كون سن العاشرة هو سن الإلزام بالصلاة والضرب عليها في السن التي يكون فيها في أعلى مستويات طاعة الوالدين مما يجعل احتمالات امتناع الولد عن الصلاة وضربها عليها من الاحتمالات القليلة وإن حصلت فلن يكون لها أثر سلبي يُذكر فسبحان الله الخالق الحكيم اللطيف الخبير سبحانك ربي ما أجلّ حكمتك وما ألطفك بخلقك وما أرحمك بالوالد وما ولد .
هذا التدبير الإلهي العظيم في أمر الآباء والأمهات بضرب أولادهم على الصلاة وفي هذا التوقيت من عمر الطفل ما هو إلا للاحتياط لأنهم لن يكونا في حاجة للضرب عليها أصلاً إلا إذا كانا ****ولين قصراً هم شخصياً في محافظتهما على الصلاة وقصرا في تنشئة أولادهما على الصلاة ولم يلتزما بوصية رسول الله _صلى الله عليه وسلم_"مروا صبيانكم بالصلاة لسبع" ولو فعلا حقاً لكانت دورة تدريبية عملية على الصلاة مدتها ثلاث سنوات يصلي الطفل خلالها 5475 فريضة أي 18615 ركعة، هذا ونحن لم نحسب السنن والنوافل ألا تتأصل بذلك هذه العبادة العظيمة عبادة الصلاة بعد هذا الرقم الكبير 5475 فريضة ما يعادل 18615 ركعة ستصبح بعدها الصلاة أهم جزء من حياة الناشئ لا يحتاج بعدها للضرب أصلاً وفي أسوأ الأحوال صارت عادة ثابتة من عاداته وإلا فالأمر يختلف كثيراً إذا نجح الوالدان بتوفيق الله ثم بحكمتهما وإخلاصهما إلى جعل أولادهما يتلذذون بها، ثم تأمل كيف كان البدء في التدريب على الصلاة قبل التوقيت المتوقع للبلوغ بكثير بفترة تكفي لتكون أهم وأعظم جانب في حياته قبل أن يصل سن البلوغ وحتى قبل المراهقة المبكرة التي تسبق البلوغ بكثير ليس فقط لأنه سيحاسب عليها بعد بلوغه، هذا طبعاً أمر عظيم وخطير وهو الأصل لا شك بل أيضاً لأن المراهق يصارع أمواج المراهقة وحده يواجه صعوباتها ويتلقى ضرباتها ويحيى تغيراتها ويحتمل قلقها وضغطها الهائل الذي لا يتصوره من حوله لذلك يحتاج كثيراً للصلاة واللجوء إلى الله حاجة من تهيج به أمواج البحار .
أيها الآباء والأمهات ارحموا أنفسكم وعيالكم وربّوا أولادكم على الصلاة، صلاة المراهق هي طوق نجاته، بعض الآباء والأمهات يقذفون بضناهم في بحر المراهقة بلا طوق نجاة أي قلب ميت عند هؤلاء وأذكرك يا من تتمنى أن يكون أولادك من أهل الصلاة والصف الأول وتكره أن ترى منهم تهاوناً في إقامتها، أذكّرك أن أولادك يرغبون في تقليد أفعالك أكثر من طاعة أقوالك في هذا الجانب وغيره، ابدأ بنفسك وتأمل الدعاء القرآني العظيم "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ" (إبراهيم:40)، حرصك على صلاتك أنتقبل حرصك على صلاة عيالك، أفعالك رسائل مستترة توجهها لأبنائك، ليس فقط في صلاتك، لا أبداً بل في كل حياتك، ضع جهدك وهمّك في مواجهة عدوك الحقيقي في سبيل تربية فلذات كبدك، عدوك الحقيقي هي تلك المساحة الفاصلة بين أقوالك وأفعالك.
وأخواتي.. اقتربنا معكم من نهاية هذا اللقاء الذي تحدثنا خلاله عن المراحل العمرية بدأناها بابن السنتين، ثم السيد (لا ) ابن السنتين ونصف، ثم جامع القاموس ابن الثالثة، ثم توقفنا عند القَلِق الخائف ابن الثالثة والنصف، ثم المتمرد العنيد ابن الرابعة، ثم الفيلسوف الصغير ابن الرابعة والنصف، ثم تحدثنا عن مرحلة التوازن والهدوء في الخامسة، ثم التقلب وحب الذات في السادسة، ثم المراحل الثلاث مرحلة التأمل والعزلة في السابعة، والتجربة والمغامرة في الثامنة، والإتقان في التاسعة وما في هذا السن سن التاسعة من بداية الاستقلال الفكري والاجتماعي، ثم انتقلنا معكم للحديث عن مرحلة طلب المكانة الأسرية بالأساليب السلمية وذلك في سن العشر سنوات عرضنا سمات المراحل والأساليب العملية للتعامل مع الظواهر المرافقة للنمو سواء قدرات وطاقات أو سلوكيات تزعج الوالدين عادةً، وسبحان الله الخالق العظيم القائل في كتابه الكريم: "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " ( نوح:14)، ولعل جزءاً محتملاً من معاني هذه الآية الكريمة تأملناه خلال رحلتنا التي سعدنا بصحبتكم فيها .
للامانه
الموضوع منقول من احدى المواقع للكاتبه ام مجاهد
جزاها الله الف خير
كذلك بدلاً من أن تتكلمي عن الصغير باسمه على مسامع الكبير، أحسن لو قلتِ ولدنا، ولدنا نام، ولدنا صحا، ولدنا يضحك لك، ولدنا يحبك، دائماً اذكروا للكبير كيف كان هو وقت ما كان صغيراً، كيف كان شكله، كيف كانت فرحة الجميع به، ماذا قالوا عنه؟ كيف جاءت هدايا حلوة له، بمناسبة الهدايا، الزوار أحياناً يحضرون هدايا للمولود وينسون الكبير، لذا وفّر عندك كمية من الألعاب حتى يأخذ الكبير هدية أيضاً ونشاركه اللعب بها، على ذكر الهدايا بين مدة وأخرى قدّمي لعبة جميلة للولد أو البنت الكبيرة وقولي لها: مريم حبيبتي هذا أخوك سليمان يحبك ووده يهديك بس ما يقدر علشان صغير، علشان كده أنا بأعطيكي هدية بدل سليمان تفضلي واكتبي عليها هدية من سليمان لأختي الحبيبة مريم، كرروا هذه الهدايا حتى يبدأ تأثيرها الإيجابي، ثم أثيروا رغبة البنت أو الولد ليقدم بدوره هدية للصغير، هذا بالنسبة للغيرة .
فيه أمر مهم يمكن استغلاله إيمانياً في غرس مراقبة الله، في السابق كان يظن الطفل أن أمه أو أباه يعرفون كل شيء يشوفه هو، يعني إذا طل من النافذة مثلاً يتصور أن أمه ترى المناظر التي هو يراها حتى لو كانت أمه بعيدة عن النافذة، في سن الثالثة والنصف يبدأ يكتشف أنهم ما يرون كل شيء، وأنه ممكن يخبئ عنهم بعض الأشياء، ساعده أيها الأب الكريم على وضوح هذا المفهوم عنده، ويمكن أن تلعب معه حالياً ألعاباً وما تعرف أنها تساعده فعلاً على وضوح هذا المفهوم عنده، مثلاً لما تسوي نفسك تدور عليه تبي تصيده وهو يتخبى منك وراء الباب أو وراء الستارة أو بين الكنبات أو تحت الطاولة، وأول ما تصيده يعطيك الضحكة الحلوة وتشوف ابتسامته الكبيرة تملأ وجهه يستأنس خصوصاً إذا فهم من تعابيرك أنك ما كنت تشوفه، من جانب آخر مهم جداً يا إخواني يا إخواتي أن نكرر على مسامعه بعد ما تنتهي اللعبة ونستأنس معه، بل في كل مناسبة ممكنة في هذا العمر وغيره، أنا ما أشوفك لكن الله يشوفك، أنا ما أدري وينك الله الذي يدري، الله يشوف كل شيء، الله يعرف كل شيء، أنت تعرف تتخبى عني وراء الستارة بس ما تعرف تتخبى عن الله، ونغرس في نفسه مراقبة الله من خلال اللعب، وهذا السن سن مناسب لغرس مراقبة الله عنده، أورد محمد نور سويد في كتابه القيم (منهج التربية النبوية للطفل) ما يجعل الإنسان يتعجب، كيف وفّق السلف الصالح إلى غرس مفهوم مراقبة الله في قلوب أطفالهم في الوقت المناسب لغرسها، تأمل معي كيف كان محمد بن سوار يعلم ابن أخته سهل بن عبد الله التستري وهو ابن ثلاث سنين أن يكرر في قلبه كل ليلة (الله معي، الله ناظري، الله شاهدي) حتى نشأ سهل على مراقبة الله فكان من العباد الزهاد، هي والله التربية الحقيقية أن تربي طفلك على مراقبة الله.
سن الثلاث سنوات ونصف مرحلة هامة في بناء الطفل النفسي، فهي من ناحية جرس إنذار للوالدين ليمنحاه أهم ما يحتاجه يمنحاه الأمان والحنان من خلالهم ومن خلال الربط بالله _سبحانه وتعالى_، ومن ناحية أخرى تنمي عند الطفل مقاومة للضغوط المختلفة والتي ينتظره الكثير منها في حياته، هذا هو طفل الثلاث سنوات وكيفية التعامل مع ثورته العاطفية .
إذن طفل السنتين متوازن يسهل على الوالدين التعامل معه إلى حد ما نظراً للتحسن العام الذي يمر فيه في مختلف النواحي، ثم تزداد حاجة الوالدين للحكمة والحلم والصبر في تعاملهم مع ابن السنتين ونصف السيد (لا) ذلك الطفل غير المتوازن المستقل الصعب، ثم يرتاح الوالدان نسبياً لتوازن ابن الثالثة حافظ الكلمات وصانع القاموس، ثم متاعب الوالدين في تعاملهما مع القلق الخائف الباكي الغيور ابن الثالثة والنصف ويحرصا على توفير الأمان والحنان اللازم لاحتواء ثورته العاطفية المؤقتة التي تنتهي عند بدء مرحلة جديدة، مرحلة ثورة السلوك، يقدر المختصون متوسطها بسن الأربع سنوات
طفلك في الرابعة
ثورة السلوك وسن الأربع سنوات هي حديثنا التالي، في سن الأربع سنوات، تنتهي ثورة العاطفة وتبدأ ثورة مؤقتة من نوع آخر، ثورة هامة للطفل ومتعبة للوالدين، في سن الأربع سنوات تبدأ ثورة السلوك، من بعد ما كان يزعج والديه بخوفه وبكائه أصبح يزعجهم بحركته وعناده، ومن بعد ما كان يزعجهم بعدم ثقته في حب الآخرين له بتوتره وقلقه أصبح يزعجهم بحركته وعدم سيطرتهم عليه.
تحتاج منا شخصية الطفل الثائرة في هذه المرحلة الصعبة إلى الرضا بها وتقبلها رغم عيوبها مع بعض الإجراءات التي نقوم بها، وهي في النهاية مرحلة مؤقتة ستتغير تلقائياً _بإذن الله_ وقريباً وبدون ما تستهلك أعصابك ويأتيك الضغط والسكر بالع**** هدئ نفسك، وتحمل ما يخالف في المدة المؤقتة، اعلم أن الكلام سهل، وأن الواقع عليكم صعب بمعنى الكلمة، أقدّر والله هذا الشيء ولا أتجاهله، ابن الأربع سنوات ثائر حركياً يضرب يتخانق يرفس يرمي الأشياء ي****ر الأشياء يهرب ما تقدرين عليه، ثائر عاطفياً تجدينه يضحك ضحكات عالية بدون سبب يستاهل ثم يبدلها بثورات غضب، ثائر لغوياً، الله يعينكم، الألفاظ الوسخة التي لقطها في سن الثلاث سنوات وقبلها الآن تخرج ما تعلم من أين أتى بها ممكن يردد شتائم أو كلمات متصلة بالنجاسات_أكرمكم الله_ ، وقد يتعمد تكراراها مع ضحكة يعني أنه يعرف معناها ومع ذلك يقولها عناداً، المهم أنه ما يكون أحد الوالدين يردد هذه الألفاظ والطفل يقلده، غير هذا المسألة سهلة وبسيطة؛ لأن غالباً الولد يستلفت سمع والديه بهذه الكلمات، وبالتالي يمكن نزع الفتيل بعدم تحقيق ما يتمنى من لفت الأسماع والأنظار، بل كأنه ما قال شيء ونغير الموضوع مع استغلال أقرب عمل جيد يقوم به الطفل لإعطائه الشكر والثناء والاهتمام، فنشبع حاجته للاهتمام به مع ربط هذا الاهتمام بالصواب ليس بالخطأ .
إلى جانب ثورته الحركية واللفظية يكون ثائراً في علاقاته مع من حوله، يعاند أباه وأمه ويستهين بأوامرهم وتوجيهاتهم وعقوبتهم، ما فيه مانع تشدون عليه إذا لزم الأمر مع توفير اهتمام أكبر عندما يفعل الصح بدون ما نقع في الرشوة، مثلاً نرشيه بالخروج معنا إذا ما ضرب إخوانه، إنما نكافئه بدون وعود مسبقة، وسبحان الله الخالق العظيم، خلف كل الصور السلبية التي ذكرتها قبل قليل تختفي ميزة رائعة ومهمة جداً هي ثقته في نفسه وفي استقلاله وأن له إرادة، هذه الثورة المؤقتة في سلوكه هي ولادة الثقة في نفسه ومظاهر تعامله الجديد معها لذلك يحتاج هذه الثورة المؤقتة كما نحتاج نحن للإرادة والثقة في أنفسنا، نعم نهذب هذه الثورة لكن ما نقمعها؛ لأن الحزم الزائد سيؤدي إلى مزيد من العناد وتتأكد هذه الصفة عنده .
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه (طفلك الصغير هل هو مشكلة): "الآباء الذين يبالغون في الحزم والأمر والنهي قد يثبتون في نفس الطفل أسلوب العناد والتحدي لإثبات ذاته". انتهى كلامه .
لكن متى ما كان الوالدان إيجابيين في نظرتهم لهذا التمرد مثلاً استقبلوه على أنه بناء للشخصية ما له أي علاقة بسيادتهم على البيت ارتاحوا وهدؤا كثيراً، وبنوا شخصية قوية لابنهم وعلاقة أقوى معه مقابل قليل من الصبر في مدة بسيطة مؤقتة .
مهم أيضاً مقابلة بعض مواقف الولد المزعجة بهدوء قدر ما تقدرون هدوء الفاهم لهذه المرحلة وبعد ما يهدأ الولد وينتهي الموقف نبدأ نناقشه بلطف ترونه يخجل ويستحي من نفسه، أحياناً تكفي النتائج الطبيعية لأخطائه كعقوبة له، مثلاً الطفل عاندك وأصر عند الخروج أن يلبس شتوي في يوم حار، ننبهه في البداية، وإذا أصر أن يلبسه اترك الحر يلقنه الدرس نيابة عنك سيستفيد من هذه التجربة ربما أكثر من كلام .
وقد ذكر الدكتور شحاتة محروس في أشرطته الرائعة (طفلك من الميلاد حتى ست سنوات) أساليب التعامل مع أمثلة أخرى من العناد، ويمكن الرجوع إلى تفاصيل أكثر في أساليب ضبط الطفل في هذا العمر وغيره في كتاب (كيف تعالج متاعبك من سلوك ولدك) للدكتور محمد الحجار، وكتاب (حاول أن تروضني) وهو من إصدارات مكتبة جرير، وكتاب (انضباط الأطفال ) للدكتور بري برازلتون.
فيه شيء يحتاج ننتبه له، في كثير من الأحيان لما يعاند الطفل ويصمم على شيء، هو يتشبه بأبيه وأمه لما يصممون على فعل الذين يريدون بدون توضيح أو إقناع، وهذا خلاف هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ الذي كان يوضح للطفل ويبرر له، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال _صلى الله عليه وسلم_: كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة، تبرير وتوضيح طيب خاطر الطفل برفق في كلمات قليلة، أشار لذلك مصطفى بن العدوي في كتابه (فقه تربية الأبناء ).
يمكن تخفيف عناد ابن الرابعة بإعطائه مساحة أكبر من الحرية وتقريب الألعاب الهادئة كألعاب الذكاء التعليمية والقصص، على أي حال نتوقع هدوء هذه الثورة في سن الأربع سنوات ونصف تقريباً وربما تنتهي مدة التمرد وثورة السلوك قبل ذلك إذا أحسنا التعامل معها، وما تسببنا في إطالتنا بسوء تكيفنا مع هذه المرحلة، إذن سن الرابعة هو المتوسط المتوقع لمرحلة ثورة الطفل السلوكية أو مرحلة التمرد والعناد وهي مرحلة مؤقتة طبيعية وهامة للطفل رغم صعوبتها .
ما ذكرناه _بإذن الله تعالى_ يقلل هذه الصعوبات ويزيد راحتكم ويعينكم على أن تنموا في طفلكم خلالها الإرادة والانضباط والثقة والاستقلالية التي يحتاجها في حياته دون أن تصنعوا داخله إنساناً مدللاً أو عنيداً.
انتهى حديثنا الآن عن ثورة السلوك عند ابن الرابعة .
طفلك في الرابعة والنصف
ننتقل بكم للحديث عن ابن الرابعة والنصف وثورة جديدة هي ثورة العقل عند ابن الرابعة والنصف، كيف يمر ابن الرابعة والنصف في ثورة العقل وكيف نتعامل معها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة في حديثنا التالي _بإذن الله_، يبدأ طفلك في سن الأربع سنوات ونصف تقريباً مرحلة جديدة نسميها مرحلة الفيلسوف الصغير، إذا كانت الثلاث سنوات ونصف ثورة العاطفة، والأربع سنوات ثورة السلوك، الأربع سنوات ونصف ثورة العقل يركز أكثر يناقش ويحاور أكثر ويستفسر أكثر ويسأل في كثير من الأمور سيثير ردود فعل مختلفة يثير إعجابكم ودهشتكم بأسئلته أحياناً وبعض أسئلته قد تربك الوالدين خصوصاً إذا ما كانوا يعرفون الجواب وفي نفس الوقت ما يريدون أن يشعر ابنهم بجهلهم وهذا خطأ طبعاً .
وانظر بعد ذلك إلى (الترقيع والتصريف)، هذا ولد سأل أباه يا أبي لماذا البيض الذي نشتريه ما يفقس ويطلع كتاكيت، الأب توهج ما يعرف، بغى يصرفها قال لا هم يعطون إبر مثل التي عند الطبيب علشان ما يفقس، يا سلام على الجواب، لا والولد قعد له، راح جاب بيضه وسأله وين مكان الإبرة فالأب تورط مضبوط، ومع إلحاح الطفل اعترف بس متأخر، قال: والله يا ولدي ما أدري ليش البيض ما يفقس، يا ليت هذا الأب من البداية قال والله سؤالك ذكي ولا أعرف جوابه الآن، لكن _بإذن الله_ نسأل واحداً يعرفه، هذا أفضل من أن يكذب ولا يعترف بجهله ويهز مصداقيته عند ولده، ويثبت له عملياً أن أباه كذاب، أو يقول له معلومة غير صحيحة، إذا كنا نريد أن تبقى رغبة أطفالنا في التعلم حية فاهتمامنا بالإجابة الجيدة عن أسئلته أفضل وسيلة لذلك، اهتمامنا بالإجابة الجيدة عن أسئلته وسيلة لزيادة قاموسه اللغوي من خلال هذه الإجابات، وسيلة ممتازة تشجع على التعبير عن نفسه من خلال الأسئلة، الطفل من خلال أسئلته يعبر عن اهتماماته وفضوله في تلك اللحظة، بل أحياناً تعبر أسئلته حتى عن مخاوفه وقلقه وعن تساؤلات أخرى أكثر عمقاً وخطورة .
لكل ما سبق نحتاج لبذل العناية الصادقة بأسئلة الطفل، أسئلة الفيلسوف الصغير أو ابن الرابعة والنصف تكون كثيرة جداً، ولا يراعي عند طرحها التوقيت المناسب، فتحصل الأب يريد ينام أو مصدع أو مشغول أو عنده مشكلة ومنفعل، وهذا جاء يسأل سؤال رايق، يا أبي لماذا السماء زرقاء؟ يزيدها فعلاً على أبيه، المهم في مثل هذه الحالات أن يضبط الأب ردة فعله، وجميل لو قال لابنه حبيبي أنا مشغول الآن أو ودي أرتاح شوي لكن بعد صلاة المغرب أقدر أسمع لك زين _بإذن الله_، وهي فرصة كذلك ليفكر في الجواب إذا ما كان يعرفه .
أحياناً تسبب أسئلة الطفل إحراجاً للوالدين مثل سؤال كيف أنا جئت، أو بعض الأسئلة العقدية، أو أسئلة عن الطبيعة والكون والمخلوقات، وغيرها مما يصعب على الوالدين تقدير الجواب المناسب، توجد بعض الكتب القليلة التي تعين في هذا الجانب مثل (سلسلة أسئلة وأجوبة في العلوم)، وهي سلسلة قيمة تنشرها مكتبة العبيكان، صدر منها ستة كتب أنصح باقتنائها والحرص عليها سلسلة أسئلة وأجوبة في العلوم، وهناك كتاب (أسئلة طفلك الحرجة) لشاهيناز عبدالفتاح، وكتاب (الأسئلة العقائدية عند الأطفال) للدكتور بسام العموش، كما يفيد في هذا الجانب شريط الدكتور عبد الكريم بكار (كيف نرتقي بفكر أطفالنا) ولا تزال المكتبة المقروءة والمسموعة فقيرة في هذا الجانب .
هذا النمو العقلي السريع عند طفلك يحتاج إلى استعدادك وصبرك واهتمام بأسئلته وإجابتك عنها الإجابة الصادقة والصحيحة وله شرط قبل كل شيء، الشرط أن الذي تقوله يكون صحيحاً، بالإضافة إلى صحة الإجابة ابنك يفضل الإجابة المحددة، يعني ما يريد تقول هذا طير مثلاً يريد أن تحدد له، هذه حمامة أو غراب أو ببغاء وهكذا، بعض الأطفال على خلاف الشائع في هذا العمر ما يسألون، في هذه الحالة نحن نبادره بالتساؤلات المختلفة نستفز عقله بها، لماذا السمك ما يغرق في الماء، إيش يسوي العصفور الذي أمامنا؟ كيف ينزل المطر؟ ونعطيه فرصة للتفكير ونحاول أن نعطي قيمة ما لأي محاولة إجابة وإن كانت خاطئة .
وما أجمل أن تكلف الأم الحريصة إحدى بناتها أو أولادها الأكبر سن بتدوين أسئلة الطفل وهم غالباً سيرحبون بهذه المهمة، خصوصاً إذا لمس اهتمامكم وتشجيعكم كما أنهم قد يجدونها ممتعة لهم فمن ناحية نغرس في نفوس الكبار قيمة السؤال عموماً وأنه موضع تقدير فيسألون كما نغرس في نفوسهم العناية بأسئلة أطفالهم مستقبلاً حينما يصبحون آباء وأمهات ومن ناحية أخرى يكون عندكم دفتر بأسئلة ولدكم يساعدكم في البحث عن إجاباتها وتوقع أسئلة إخوانه وأخواته من بعده والاستعداد لها، وسيكون هذا الدفتر قطعة غالية عليكم، وعليه بعد سنين وتستمتعون بتأمل نمو تفكيره ويكون ما جمعتم نواة لكتاب عن أسئلة طفل تربى في بيئتنا وثقافتنا كتاب كهذا ينتظره ويرغب في قراءته كثير من الآباء والأمهات، وكل هذه الفوائد بدون عناء يذكر من الأبوين كم يسعد الطفل عندما تبادرونه بإجابة عن سؤال من أسئلته السابقة وإن لم يذكّركم به فاهتمامكم بالإجابة الجيدة عن أسئلته سيكون لها أثر كبير بإذن الله عليه وعلى علاقتكم معه ويؤهلكم لتكونوا مصدر المعرفة الأول والموثوق فيه على مدى السنوات القادمة بدلاً من تلقي معلوماته من مصادر مشبوهة خصوصاً فترة مراهقته .
نحن نشبع احتياجه المعرفة كل ما يريده منها اهتمامنا بأسئلته وصحة الإجابة عنها وملاءمتها لفهمه ومدى رغبته بالاستماع ومن أهم وسائل الإشباع المعرفي أن نحببه في القراءة ونربطه بالكتاب منذ سنواته الأولى.
من بين الأساليب التي تحبب طفلك في القراءة أياً كان عمره أن تربط أسئلته بالكتاب خصوصاً التي ما تعرف إجابته حفاظاً على مصادقيتك ممكن يسألك مثلاً فراشات إيش شكلها؟ أو كيف تطير الطائرة؟ إذا ما تعرف اطلب منه أن يشترك معك في البحث في مكتبة البيت مباشرة وحتى لو ما يعرف يقرأ تعال يا ولدي امسك الكتاب، وهذا الكتاب، بعد تعال اقعد في حضني أين صورة الفراشة؟ أين صورة الفراشة؟ نعم هذه صورة الفراشة خلنا نشوف ويش يقولون عنها، وإذا ما كان عندك كتب تجيب عن سؤاله، قل : الآن أنا ما أدري، لكن _إن شاء الله_ إذا زرنا المكتبة نشوف كتاب يكلمنا عن الفراشات أو الطائرات ونفذ وعدك فعلاً واحصل معه على الكتاب في أقرب فرصة من أكبر المكتبات وأكثرها تنوعاً .
انتهى حديثنا عن ثورة العقل في سن الأربع سنوات ونصف ومن قبلها ثورة السلوك في الرابعة وثورة العاطفة في الثالثة والنصف، الآن بدأ طفلك يستقر ويهدأ
طفلك في الخامسة
حديثنا التالي عن سن الخمس سنوات، سن الخمس سنوات تعد من أجمل سنوات الطفولة، في الخامسة تقريباً يتوقع أن يكون الطفل في أحسن نفسية وأجمل صفات وتختفي التقلبات السلوكية، ويكون أكثر ثباتاً يتكيف مع الآخرين بشكل إجمالي هادئ ولطيف ويبحث عن أدلة لمحبة الآخرين يحب البيت راض عن أسرته وأوضاعها، في هذه المرحلة يتعلق الطفل بأمه بشكل أكبر من المعتاد، تجدينه دائماً يا أختي قريباً منك يقلد حركاتك، لذلك مهم أن يراعي الوالدان كونهما القدوة في علاقتهم بالله وفي كل سلوكياتهم، ابن الخامسة يعرض مساعدته على أمه ويتلذذ بطاعتها وأخذ توجيهاتها والاستئذان منها، شجعيه يا أختي على الاستقلالية بأسلوب لطيف، شجعيه يأكل لوحده، ويرتدي ثيابه لوحده، وإذا بدأ يحاول في شيء ما لا تستعجلي مساعدته قبل أن يتسنى له الوقت الكافي للتجربة، وانتظري حتى يطلب المساعدة بنفسه ثم عمليه خطوة إضافية واحدة واتركيه ينجزها وامدحيه في بعض مراحل النشاط وليس في كلها.
هذه الإجراءات تنمى فى الطفل الاستقلالية والاعتماد على الذات في هذا العمر وأي عمر .
يا إخواني وأخواتي تغيرات سلوك الطفل المتصلة بعمره سواء صعوبة التعامل مع ابن السنتين ونصف أو سهولته مع ابن الثالثة أو ثورة العاطفة أو ثورة السلوك أو ثورة العقل أو مرحلة الهدوء والاتزان والطاعة عند ابن الخامسة أو التغيرات التي سنذكرها بعد قليل _بإذن الله تعالى_ كلها تشبه الورقة التي يخرجها جهاز تخطيط القلب، الورقة إذا تذكرون يكون فيها خط تتخلله ارتفاعات ثم انخفاضات ثم ارتفاعات ثم انخفاضات وهكذا، ما معنى أنه إذا خرجت الورقة فيها خط مستقيم بدون ارتفاعات أو انخفاضات معناه أن هذا الإنسان مات توقف قلبه عن العمل، وهذا ما سيحصل لأطفالنا فتموت شخصياتهم وتتوقف عن النمو إذا قررنا خطأ محاربة هذه التغيرات التي هيأها اللطيف الخبير لو حاربنا هذه التغيرات وقمعناها مش بس نتعب عيالنا وعلاقتهم معنا، لا، نحن نحرمهم من فرصة الاستفادة الطبيعية من المرحلة المؤقتة وسنهدر طاقتنا وأعصابنا ووقتنا في مقاومة فطرة الله التي فطر عليها الأطفال عموماً ومن بينهم أطفالنا.
إذن دعونا نتفاعل مع هذه التغيرات المؤقتة بشكل إيجابي .
ملاحظة هامة: لسببين اثنين قد لا تلاحظون السمات التي نذكرها لبعض المراحل في شخصية طفلكم أحياناً أو تلاحظون بعض سمات المراحل وليس كلها .
السبب الأول: أن العمر وسماته المتوقعة عامل مؤثر من بين عوامل أخرى مؤثرة قد تفوقها تأثيراً أحياناً مثل الفروق الفردية أو البيئة وهي تشمل كل ما يحيط بالطفل، ومع هذا يظل العمر عاملاً هاماً ومؤثراً جداً ويفيد الآباء والأمهات كثيراً في فهم واستيعاب وتربية أطفالهم.
السبب الثاني: توقيت مرور ابنك بالمرحلة وسماتها قد يكون مبكراً أو متأخراً نسبياً عن متوسط العمر المتوقع لها، يقول الدكتور فاخل عاقل في كتاب (سلوك الطفل): "لو كان لدينا مئة طفل أعمارهم أربع سنوات فإن نصفهم سيسلكون السلوك المتوقع حدوثه في هذا العمر، وربعهم يكونون قد مروا به مبكراً وتجاوزوه، وربعهم لم يصل إليه بعد". انتهى كلامه .
طفلك في السادسة
حديثنا التالي _بإذن الله_ عن سن السادسة، سن السادسة هو المتوسط المتوقع لمرحلة جديدة يتمركز فيها الطفل حول ذاته يتوقع أن يكون ابن السادسة مندفع العاطفة أحياناً قليلة بصورة إيجابيه تجاه غيره كحنانه على إخوانه الصغار وعطفه عليهم، ولكن الأغلب أن يكون ابن السادسة مندفع العاطفة نحو ذاته فتجد عنده الأنانية والطمع يريد أن يكون له الأولوية في كل شيء يريد أن يكون محبوباً أكثر من غيره يريد أن يحصل على نصيب الأسد طمّاع ما يصح تخيره بين لعبتين؛ لأنه يريد الاثنتين واحرص ألا تأخذ شيئاً من ممتلكاته وتعطيها طفلاً آخر يلعب بها إلا بإذنه ولا تسمح لأحد أن يأخذ دوره في اللعب أو غيره إلا بإذنه ولا حتى الكبار.
فديننا العظيم الذي علّم الصغار الاستئذان احتراماً لخصوصيات الكبار هو ذات الدين الذي علّم الكبار الاستئذان من الصغار، سواء في عمر الست سنوات أو غيره احتراماً لخصوصياتهم ولا هو استئذان ملاطفة ما له قيمة، لا، بل وهب الصغار حق الرفض أو القبول وعلّمنا احترام قرارهم، أخرج البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله ما أوثر بنصيبي منك أحداً قال: فتله رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في يده، أي: وضع الشراب في يده، ثم تأمل كيف أقر الصغير حقه في الرفض مع عظم قدر المستأذِن والمُستأذَن لهم، وهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ وكبار الصحابة .
ابن السادسة لديه رغبة شديدة في الفوز وإذا انهزم ما يتحمل يصيح ويبكي، ويتهم إخوانه أنهم غشاشين، اندفاع عاطفته نحو ذاته يضعف قدرته على التعامل مع لحظات خسارته وإخفاقه وإحباطه، وهذا يجعل ابن السادسة عموماً سريع البكاء ينفجر ويبكي بسهولة .
إخواني أبناؤنا يتعلمون منا التعامل مع الحزن والخسارة والإحباط مثل ما يتعلمون منا أي شيء آخر، لذلك طفل السادسة يراك أنت كيف تتعامل مع ما يحزنك أو يحبطك ويضايقك بصبر ورضا وروح رياضية وابتسامة، في المرحلة السابقة كانت أمه هي مركز العالم بالنسبة له هي محور اهتمامه، الآن في السادسة يريد أن يكون هو مركز عالمه الخاص وبؤرة اهتمامه، ولذلك يتوقع أن تسوء علاقته بأمه نسبياً بسبب تمركزه حول ذاته، وحتى مع غيرها تجده سلبياً مع الآخرين ينفر من الأوامر ويتملص منها ويحوّلها على إخوانه ولا يتقبل النقد واللوم بسهولة، وبما أنه يحتاج بشدة للمديح والثناء فبإمكان الأم الواعية ومن حول الطفل أن يحسنوا علاقتهم معه ويؤثروا في سلوكه بأن يقللوا من النقد واللوم والأوامر إلى أقل حد ممكن ويمدحونه على تصرفات محددة وليس مدحاً عاماً، كما ينقلون له ثناء الآخرين عليه ويدعون الله له بما يحب وتهفو إليه نفسه فيربطون رغباته التي يتعلق بها بشدة في هذه المدة بمن يقضيها له بالله _سبحانه وتعالى_ كما يحدثونه دائماً عن الجنة وما فيها من متع ورغبات يشتهيها ويتمناها فيشوقونه لها ويغرسون حبها والعمل لأجلها في قلبه .
وللحديث بقيه ان شاء الله
طفلك في السابعة
سن السابعة هي السن التي أمرك فيها حبيبك محمد _صلى الله عليه وسلم_ أن تأمر فيه أولادك بالصلاة، يميل ابن السابعة أن ينسحب من مواقف كثيرة ويراقبها فقط يميل للتأمل والاستقرار ويفضل الوحدة نسبياً، وهذا التأمل وهذه العزلة النفسية التي هيأها الخالق العظيم لابن السابعة وأشارت إليها معاهد متخصصة في هذا المجال كمعهد ديزل لنمو الطفل في الولايات المتحدة، هذا التأمل وهذه العزلة عند ابن السابعة تكشف لنا جزءاً محتملاً من الحكمة الشرعية في تحديد سن السابعة بالذات لبدء أمر الطفل بالصلاة كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين" اختيار هذا التوقيت سن السابعة تحديداً لبدء الأمر بالصلاة له حكمته، ولعل من هذه الحكمة أن الصلاة تحتاج إلى قدر من التدبر والتأمل والاستقرار والسكون والعزلة النفسية عن العالم الخارجي وشواغله وهي صفات هيأها الخالق العظيم بحكمته البالغة _جل وعلا_ في هذا العمر، فسبحان الله الخالق البارئ المصور الذي علّم من لا ينطق عن الهوى _صلى الله عليه وسلم_، نسأل الله أن يرزقنا حسن اتباعه والسير على هديه، هذه من ناحية الصلاة.
من ناحية الأنشطة والمهارات الحياتية التأمل والمراقبة عند ابن السابعة هي المرحلة الأولى لإتقان هذه الأنشطة والمهارات ويتبعها مراحل أخرى _كما سيأتي بإذن الله_ وكلها جعلها الله _سبحانه وتعالى_ إعداداً للطفل وعوناً لوالديه على تربيته، دورنا توجيه طاقة التأمل الذهبية المتفجرة في هذا السن إلى ما ينفع الطفل فيحرص الوالدان على إبعاد أو التقليل من الأجهزة التي تنصرف فيها هذه الطاقة هدراً في غير ما ينفع ليخلو المجال أمامه فيتأمل ما يراه من أنشطة إيجابيه ومسؤوليات ومهام للأب والأم أياً كانت هذه الأنشطة سواء نواح تعبدية أو اجتماعية أو مسؤوليات منزلية نافعة ترتيب تنظيف تصليح وأعمال المطبخ خصوصاً إذا كانت الأم تشجع بناتها وأبناءها على دخول المطبخ ومشاركتها وتصبر على جهلهم وأخطائهم يمكن للأب توجيه طاقة التأمل عند الطفل إلى الطبيعة ومن خلق هذا الكون وأن الخالق الله العظيم والمستحق وحده للعبادة، نخيم بالبر، أصعد معه جبلاً صغيراً، أجلس معه على بحر نصيد، آخذه المزارع يرى رحمة الطيور وهي تطعم صغارها، الورقة التي سقطت من الشجرة آخذها وأضعها في يده وأقول له انظر هذه الورقة اليابسة انظر اللون الأصفر، هذه الأملاح الزائدة التي تضر الشجرة، هذه الورقة جمعت هذه الأملاح الزائدة لتحمي أخواتها وسقطت وماتت وتصير سماداً تتغذى عليه الشجرة إذا احتاجت تموت الورقة لتحيى الشجرة كلها تتوقع كم ورقة سقطت من هذه الشجرة ليل نهار من وقت ما زرعت كثير صح!
وكل الشجرة يا ولدي ما تكون قوية وعزيزة إلا إذا تقدموا عيالها للموت ليل نهار من أجلها، تظن يا ولدي كم ورقة سقطت من كل هذه الأشجار من وقت ما وضعت هذه الورقة في يدك؟ أنا وأنت لا نعرف، لكن الله _سبحانه وتعالى_ يعرف كل ورقة سقطت من كل شجرة في الدنيا في كل الأزمان، يقول الله _سبحانه وتعالى_: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (الأنعام:59)، وهذا شيء يسير جداً جداً من علم الله _سبحانه_.
انظر لهذه المواشي انظر كيف تُذبح، الله _سبحانه وتعالى_ هو الذي خلقها وخلقنا أمرنا أن نتقرب إليه وحده بذبحها، ونتقرب إليه وحده في كل عباداتنا، قل له وأنت تظهر الألم الشديد، تصدق يا ولدي أنه فيه ناس يعبدون البقر وناس يعبدون الثيران، وإذا كان البقر والثيران حية تتحرك، فيه ناس أردى بعد، فيه ناس يعبدون حتى الأموات، تخيل يدعونهم ويذبحون لهم ويتبركون بهم، تصدق أنه فيه ناس يقولون إنهم مسلمون ويفعلون هذه الأفاعيل؟ عسى الله يثبتنا على التوحيد ويميتنا عليه، هذه نعمة أنك تصير في أسرة توصيك بالتوحيد وتحذرك من أعظم مصيبة وأكبر وأقبح ذنب يقع فيه الإنسان تحذرك من الشرك.
وهكذا تستغل كل مناسبة ممكنة في هذا العمر وغيره حتى آخر يوم في حياتك لتعظم عنده أمر التوحيد وتحذره من الشرك بأنواعه، تقرر هذه القضية في نفسه حتى يكون توحيد الله قضية حياته الكبرى، تأمل كيف جعلها الله أولى وصايا لقمان لابنه وأعظمها "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان:13)، قضية التوحيد هي خير ما تستثمر فيه طاقة التأمل الذهبية عند طفلك وكذلك بقية وصايا لقمان وما يتفرع عنها.
إذن في سن السابعة تقريباً يميل الطفل إلى التأمل والفردية والعزلة النفسية بدون مشاركة
طفلك في الثامنة
حديثنا التالي عن ابن الثامنة هل تستمر العزلة عند ابن الثامنة؟ لا، ابن الثامنة مغامر يتوقع المختصون أن يخرج من عزلته ويستشعر رغبة في المغامرة، هذه الرغبة هي الدافع الذي ينعم به الله على الطفل وعلى من يربيه ليسهل إ****ابه خبرات واقعية من خلال المحاولة والخطأ، هذه المرحلة التي يمر بها ابن الثامنة هي مرحلة التجربة يمنحه خالقه فيها القدرة على تجاوز العثرات والأخطاء دون يأس أكثر من المراحل الأخرى، إذن ميزتان عن ابن الثامنة:
1 – رغبته في تجربة مختلف الأنشطة.
2 – قدرته على تجاوز أخطائه الكثيرة.
هاتان الميزتان تجعل هذه المرحلة ملائمة لبدء تعليم ابنك المهارات التي لم يتقنها من قبل تعليماً عملياً بالتجربة والمحاولة والخطأ، وإلا أهدر هذا الطفل الميزتين التي أنعم الله بها عليه، وعليك الحذر فيما قد يكون عديم الفائدة، مثل: (السوني، بلاي ستيشن)؛ لأنه سيكون معزولاً عن العالم والحياة بعيداً عما ينفعه فعلاً في دنياه وآخرته، وأنت أيها الأب وأنت أيتها الأم تسيرون بابنكم إلى هذا المآل إلى خوض التجارب الوهمية بدل التجارب الواقعية.
إذا ظننتم أنكم تحمون ابنكم لما تمنعونه من تجربة أنشطة حياتية جديدة لمجرد أنكم تلاحظون عليه العجلة وكثرة الأخطاء هذا هو المتوقع من طفل، وهذا ليس مانعاً يحول دون حقه الطبعي في الممارسة الفعلية والتجربة، بل هذا الطفل الذي يغلط كثيراً هو الأحوج للتجربة أكثر والمحاولة والخطأ، وهو الأولى بعنايتك وصبرك وثقتك بالنجاح الذي حققه هذه الثقة يحتاجها لخوض تجاربه وهي فرصة ملائمة لتدعموا ثقته في نفسه وفيكم وفي علاقتكم تحققون هذا الهدف الهام وهو دعم ثقته في نفسه من خلال عدة أنشطة، ومنها ما يلي:
علّق ورقة لكل طفل ودوّن فيها المهام التي أمكنه القيام بها، وإن لم يكن أداؤه مثالياً كاملاً وامنع نفسك من توبيخه ونقده ولا حتى نصحه وتوجيهه دون طلبه أو المقارنة بينه وبين إخوانه، بل أظهر فرحتك وتشجيعك له عند إضافة مهام جديدة لهذه الورقة وانتهز أقرب الفرص لتفويضه في القيام بها إلى أن يتقنها تماماً.
اختر مع ابنك اسماً مناسباً لهذه الورقة مثل التحدي أو مهارات أو من قدراتي، أو أي اسم يعجبه واكتبها بطريقة لافتة ثم علّق أوراق أولادك الجديدة في لوحة أخبار البيت أو أي مكان بارز، وعلّق القديم من هذه الأوراق في غرفهم واتركهم يرفعون ثقتهم في أنفسهم وفي قدراتهم ويصنعون مكانتهم وقيمتهم بأعمالهم ومسؤولياتهم ويقبلون على تجارب وخبرات جديدة ويقللون الأعباء والمهام عن الوالدين.
أخي الفاضل وأختي الفاضلة، إضافة لاهتمامك بقائمة قدرات عيالك هناك أيضاً استشارتهم جماعياً وفردياً وتخصيص وقت أسبوعي لكل منهم، وإيداع كل واحد منهم أسرار خاصة بينك وبينهم، وملاحظة إيجابياتهم وتقليل نقدك ونصحك وحرصك على العدل والمساواة فيما بينهم كلها تبني الثقة في أعماق كل فرد من عيالك ثقته في ذاته وثقته في مكانته في الأسرة وفي علاقته مع والديه، هذا ما يحتاجه منكم على المدى الطويل لمواجهة المراهقة، وهذا ما يحتاجه أيضاً على المدى القريب ليقبل على تجارب وخبرات ومسؤوليات جديدة وهذا ما نريده اجعله يخوض تجارب جديدة، يشارك في أعمال منزلية لم يكن يشارك فيها، كان في السابق يتأمل النباتات، الآن في الثامنة اجعله يزرعها في وعاء أو في زاوية الحديقة أو يجمع نماذج منها في ألبوم خاص، كان يتأمل كيف تحيى الحيوانات، وكيف تتم رعايتها.
الآن في الثامنة اجعله يربي طير كناري أو حيوان أليف يرعاه بنفسه مع مساعدة من حوله عند الحاجة، وقد أقر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ هذا في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم "يا أبا عمير ما فعل النغير"، ومن هذا الحديث أباح العلماء حبس الطير بشرط إطعامه، كان في السابعة يتأمل كيف يذبح الخروف تقرباً لله، الآن في الثامنة اجعله يعتاد على فصل رأس الذبيحة بنفسه بعد قطع أوداجها وخروج روحها ويشارك في سلخها _إن أمكن_.
انتهى حديثنا عن سن الثمان سنوات سن المغامرة وتجربة المهارات، هذه المهارات نتوقع أن يتقنها في المرحلة القادمة سن التسع سنوات
طفلك في التاسعة
عن سن التسع سنوات يدور حديثنا التالي، نتوقع من ابن التاسعة أنه أتقن المهارات المختلفة مر بمرحلة مشاهدة الأنشطة وتأملها بدون مشاركة في السابعة جرّبها في الثامنة وتدرب عليها أتى بها مرة صح ومرتين غلط، الآن في التاسعة نتوقع أنه أتقن مهارات وأنشطة مختلفة سواء تعبدية أو منزلية أو اجتماعية.
ابن التاسعة لديه ثقة في نفسه مع هدوء داخلي، هذه الثقة وهذا الهدوء عاملان يساعدانه ليكون أكثر استقلالية عن والديه سواء استقلالية فكرية أو استقلالية اجتماعية تجد من استقلاله الفكري عن آراء الكبار أنه رغم اهتمامه بهذه الآراء وتأثره بها إلا أنه يجادل فيها ويتحداها أحياناً فينتقد الكبار يهيئ نفسه ويهيئكم لاستقلاله الفكري المنتظر في مراهقته، علينا أن نتجنب فرض آرائنا الشخصية عليه بل نعرضها عرضاً ونحترم آراءه قد يزداد عدم تقبل ابن التاسعة لآراء الكبار إذا لم يجد منا من يحرص على الاستماع إليه ومعرفة ما يدور في ذهنه من اعتراضات أو آراء مخالفة فيتحاور مع ابنك بشكل سليم ويحترم حقه في أن يكون له رأيه الخاص.
بالمناسبة احترامك لآرائه لا يعني بالضرورة موافقتها، يقول الدكتور عبد اللطيف خياط في كتابه المميز (دليل الأم للأعمار من 8 – 14 سنة): "لا يعني احترامك لأبنائك الموافقة على كل ما يفعلون أو يقولون، وإنما يعني أن تعتقدي وتظهري أن لهم الحق أن يكون لهم آراؤهم ومشاعرهم". انتهى كلامه.
ابن التاسعة يهيئ نفسه وأسرته لاستقلال آخر غير الاستقلال الفكري، يهيئ نفسه وأسرته للاستقلال الاجتماعي المنتظر في مراهقته، فتجده يهتم بأصدقائه أكثر مما يهتم بالعائلة واستعداداً لمثل هذا الاستقلال الاجتماعي نخلق بدورنا الفرص مبكراً لاحتكاكه بالبيئات الاجتماعية المنتقاة التي تعينه على الفضيلة، سواء على الصعيد الأسري في اختيار منطقة السكن واختيار الأسر التي نوثق علاقتنا بها أو على الصعيد المدرسي _إن أمكن_ من خلال المدارس الأهلية الإسلامية المميزة أو على الأقل ذات السمعة الجيدة من المدارس الحكومية ثم تشجعه أيها الأب على حسن اختيار الصديق وتكرم أصدقاءه وتتودد لهم وتحرص أن تكون أنت أقرب أصدقائه إلى قلبه.
الاستقلالية الاجتماعية الناشئة عنده تجعلنا نحرص أكثر وأكثر على تنمية مراقبته لله هذه المراقبة التي بدأناها منذ سن الثالثة واستمرت نختار المواقف المناسبة في الحياة لنتلو على مسامعه قول الله _تعالى_: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (المجادلة: من الآية7)، نردد كثيراً مثل هذه الآية من سورة المجادلة ونربطها بحياتنا حتى ينغرس معناها في نفسه وتبقى حاضرة في ذهنه تؤتي أكلها كل حين.
في هذا السن يع**** ابنك حالته النفسية والمزاجية على جسده أحياناً يعني ممكن يده تؤلمه لما يصير عليه واجب مثلاً، أو بطنه يؤلمه لما يكون لازم يرتب غرفته، ما أستعجل في تصديق أو تكذيب ادعائه أتحقق أكثر إذا تبين فعلاً أنها صورة للهروب مما يكره أتصرف بلطف وأشاركه شعوره أن هذا العمل ممل ومتعب فعلاً إنما يجب القيام به وأبذل جهدي لجعل العمل أكثر متعة، فإذا تجاوب أدعو له بالتوفيق وأتابعه وأثني على جهده يعني مثلاً بنتك يا أختي ما حلت الواجب وبدأت تتعذر أن عيونها تعورت، ليه يا بنتي عسى ما شر وريني عيونك خليني أشوفها إذا حسيتي أن ما فيها شيء، آه الله يعينك أنت عندك واجب القواعد فيه تعب عليكِ، أنا أعرف غير أنه ممل وثقيل دم صح! الشكوى لله بعد، الله يعينك وريني الدفتر أشوف، إيش رأيك إذا خلصتِ الحل نزين الواجب نحط ملصقات ونعدل فيه ونخليه أحلى واجب تشوفه أبلتك، إيش رأيك خلاص ماشي يلا أنا سآتي الآن ملصقات وبعض الحركات والزينة، وأنتِ خلاص ابدئي الله يقويك، بعد ذلك ما ننسى المتابعة ثم الدعاء والثناء على جهدها بعد الإنجاز، كان هذا المثال هو ختام حديثنا عن سن التسع سنوات.
إذن تحدثنا عن ابن السنتين، ثم السيد (لا) ابن السنتين ونصف، ثم جامع القاموس ابن الثالثة، ثم وصفنا الثورات الثلاث (ثورة العاطفة وثورة السلوك وثورة العقل) على التوالي عند ابن الثالثة والنصف وابن الرابعة وابن الرابعة والنصف، ثم مرحلة التوازن والهدوء والتمركز حول الأم في الخامسة، ثم التغلب والتمركز حول الذات في السادسة، ثم المراحل الثلاث لإتقان المهارات والأنشطة وهي على التوالي مرحلة التأمل ومرحلة التجربة ومرحلة الإتقان وظهور الاستقلال أيضاً في السابعة والثامنة والتاسعة، وكما ذكرنا سابقاً كل طفل هو حالة خاصة ولا يتطابق نموه مع أي طفل آخر ولا يوجد الطفل المتوسط الذي يقاس عليه فلا غرابة إذا لم يطابق وصف عمر ما في هذه المادة حال طفلكم .
طفلك في العاشرة
حديثنا التالي عن مرحلة هامة هي سن العاشرة، سن العاشرة هي السن التي أمرك فيها حبيبك محمد _صلى الله عليه وسلم_ أن تلزم فيها أولادك بالصلاة، في سن العاشرة يطلب ابنك المكانة الأسرية والاعتراف بقيمته حالياً بأساليب سلمية، وتتغير هذه الأساليب مدة مراهقته إذا لم تتجاوب معها، كان في التاسعة يهيئ ذاته وأسرته لإشباع حاجته للاستقلال الفكري والاجتماعي القادم في مرحلة المراهقة .
الآن في سن العاشرة يهيئ ذاته وأسرته لإشباع حاجة عميقة أخرى من حاجات المراهقة هي الحاجة للمكانة الأسرية، الحاجة للثقة والتقدير والاعتراف بقيمته كل جنس بما يلائمه، الولد يحتاج لتقدير سمات الرجولة الناشئة في أعماقه وإن ما ظهرت في شكله كقدراته البدنية وتحمله المسؤولية وحمايته للأسرة ورعايته لها وقيمة رأيه وقراره ورغم أهمية ثنائكم على هذه السمات إلا أن ما يشعر بالقبول الحقيقي هو ثقتك فيه واعتمادك عليه، البنت أيضاً تحتاج وبشكل كبير جداً إلى تقدير سمات الأنوثة الناشئة عندها كجمالها الأخاذ وأناقتها الفريدة وذوقها الرفيع ورقة إحساسها وحنانها على الجميع ومع حاجتها الماسة جداً لثنائكم على كل هذا فإنما يشعرها بقبولها الحقيقي أن تشعروها بحبكم لها وبشكل دائم لا يكاد ينقطع، ثناؤكم الدائم وحبكم غير المشروط في غاية الأهمية ويحميها من البحث عنه خارج المنزل مدة مراهقتها.
يسعى ابن العاشرة لنيل مكانته في أسرته والحصول على ثقتهم وتقديرهم بالأساليب السلمية بالسلوك الذي يجتهد أن يكون جيداً، وكما يريده الوالدان سيحرص على طاعتك ورضاك وإعجابك أملاً في المكانة الجيدة المترتبة على هذه الطاعات والرضا والإعجاب ولذلك هذه المرحلة مرحلة ذهبية هذه مرحلة الاستجابة والطاعة والقرب من الوالدين.
ابن العاشرة يهتم كثيراً بكلمتكم وتؤثر فيه أكثر من الاهتمام أو الأثر الذي تتوقعونه أو تعودتم عليه، كلمتكم عنده قانون من القوانين في كل شيء حتى في نظرته لنفسه، يريد منا أن ننظر له نظرة جديدة وهو يستحق ذلك فعلاً ما الذي سيحصل بعد سنوات قليلة إذا لم ينتبه الوالدان لهذا الأمر ولم يشبعا حاجاته على المدى البعيد ليستنتج بتجربته الطويلة أن السلوك الذي حاول أن يكون مثالياً في الأسرة لا يؤدي إلى شيء يذكر من إشباع حاجته للتقدير والثقة والمكانة الأسرية يعني ما يوكل عيش.
فإذا أضفنا لهذا طبيعة المراهقة أدركنا أنا على وشك الانتقال من المسالمة التي جربها وما جابت نتيجة إلى الانفجار والصدام والتمرد رغم حبه الشديد والصادق واحترامه العميق والحقيقي لك وإن أوحت الصدامات بخلاف ذلك ليس فقط يبدأ في صدامات وتمرد بل سيتوجه أيضاً للمجتمع الخارجي لتحقيق الاعتراف بوجوده وإرادته وقيمته ولو كلفه ذلك الوقوع في السرقة أو المخدرات أو التفحيط وغير هذا، يطلب الاعتراف بشجاعته ومهارته ويطلب تحقيق المكانة في الشلة بعد ما يئس منها في الأسرة، وهذه آثار عدم إشباع حاجته للثقة والتقدير والمكانة على المدى البعيد أما على المدى القريب فسيضعف شعوره بالتوازن والأمن والطمأنينة ويصبح ابن العاشرة عصبياً أكثر وقلقاً وتبدأ تظهر عليه مظاهر مثل أحلام اليقظة والغيرة من إخوانه، وقد يصبح نماماً ينم على إخوانه أو غيرهم لعله يلفت النظر بذلك إلى ميزاته هو من خلال الإشارة لأخطاء إخوانه أو يحصل على مكانه من خلال نقل الكلام لمن يهتم بسماعه أتأكد أولاً أنني قد تجنبت أنا شخصياً النميمة، وأنني لا أمثل قدوة سيئة له وأتوجه بالعتب على نفسي وإن لم أقع في هذا الخلق فأنا مَن ألجأته إلى النميمة وعليّ أن أعالج جذور المشكلة التي غرستها بإهمالي، أشبع حاجاته من جديد وأريحه وأعيد إليه شعوره المفقود بالتوازن والتقدير والطمأنينة، هذا ما أفعله على المدى البعيد أما التعامل المباشر مع النميمة عند الطفل سواء في هذا السن أو في الأعمار المبكرة أنك ترفض يا أخي وترفضين يا أختي سماع هذا النوع من الكلام، واسألي الولد بلطف يا ولدي أنا طلبت منك تقول لي أخطاء الناس أو أنا طلبت منك تنقل لي الكلام الذي سمعته من ضيوف أبيك وحتى لو طلبت منك يجوز تقول لي! ما يجوز، معليش يا ولدي أنا آسفة أنا صحيح أحبك، ومع هذا ما أحب أبداً تنقل الكلام لا لي ولا لغيري ثم وجّهي عتابك الداخلي لنفسك وليس له.
أخي الكريم وأختي الكريمة وفري على نفسك معالجة ظاهرة النميمة والجهد الكبير بعد ذلك في التعامل مع صور التمرد المتعبة والمصائب التي قد يقع بها مدة مراهقته من خلال حسن تعاملك مع احتياجاته، واسأل نفسك ما الذي يدعو ولدك مستقبلاً لمزيد من الثوران والهيجان والصدامات وأنت قد بدأت إشباع حاجاته مبكراً؟ ما الذي يدعو بنتك مستقبلاً أختي الكريمة لمزيد من القلق والاضطراب والمتاعب وأنت قد بدأتِ إشباع حاجاتها مبكراً وركّزتِ على هذا السن، سن العاشرة، هذه المرحلة الذهبية مرحلة الطاعة والاستجابة والقرب من الوالدين وسبحان الله الخالق الحكيم هذه المرحلة وما يتصف فيها الناشئ من طاعة وامتثال وما فيها من رابط نفسي قوي بينه وبين والديه، كأن هذه المرحلة تأمين للعلاقة من اهتزازات المرحلة القادمة وكأنها ربط لحزام السلامة قبل الانطلاق في رحلة المراهقة، وسبحان الله هذا الرابط النفسي القوي بين الأب وابنه في سن العاشرة يجعلنا نتعرف على جزء محتمل من الحكمة الشرعية في كون سن العاشرة هو سن الإلزام بالصلاة والضرب عليها في السن التي يكون فيها في أعلى مستويات طاعة الوالدين مما يجعل احتمالات امتناع الولد عن الصلاة وضربها عليها من الاحتمالات القليلة وإن حصلت فلن يكون لها أثر سلبي يُذكر فسبحان الله الخالق الحكيم اللطيف الخبير سبحانك ربي ما أجلّ حكمتك وما ألطفك بخلقك وما أرحمك بالوالد وما ولد .
هذا التدبير الإلهي العظيم في أمر الآباء والأمهات بضرب أولادهم على الصلاة وفي هذا التوقيت من عمر الطفل ما هو إلا للاحتياط لأنهم لن يكونا في حاجة للضرب عليها أصلاً إلا إذا كانا ****ولين قصراً هم شخصياً في محافظتهما على الصلاة وقصرا في تنشئة أولادهما على الصلاة ولم يلتزما بوصية رسول الله _صلى الله عليه وسلم_"مروا صبيانكم بالصلاة لسبع" ولو فعلا حقاً لكانت دورة تدريبية عملية على الصلاة مدتها ثلاث سنوات يصلي الطفل خلالها 5475 فريضة أي 18615 ركعة، هذا ونحن لم نحسب السنن والنوافل ألا تتأصل بذلك هذه العبادة العظيمة عبادة الصلاة بعد هذا الرقم الكبير 5475 فريضة ما يعادل 18615 ركعة ستصبح بعدها الصلاة أهم جزء من حياة الناشئ لا يحتاج بعدها للضرب أصلاً وفي أسوأ الأحوال صارت عادة ثابتة من عاداته وإلا فالأمر يختلف كثيراً إذا نجح الوالدان بتوفيق الله ثم بحكمتهما وإخلاصهما إلى جعل أولادهما يتلذذون بها، ثم تأمل كيف كان البدء في التدريب على الصلاة قبل التوقيت المتوقع للبلوغ بكثير بفترة تكفي لتكون أهم وأعظم جانب في حياته قبل أن يصل سن البلوغ وحتى قبل المراهقة المبكرة التي تسبق البلوغ بكثير ليس فقط لأنه سيحاسب عليها بعد بلوغه، هذا طبعاً أمر عظيم وخطير وهو الأصل لا شك بل أيضاً لأن المراهق يصارع أمواج المراهقة وحده يواجه صعوباتها ويتلقى ضرباتها ويحيى تغيراتها ويحتمل قلقها وضغطها الهائل الذي لا يتصوره من حوله لذلك يحتاج كثيراً للصلاة واللجوء إلى الله حاجة من تهيج به أمواج البحار .
أيها الآباء والأمهات ارحموا أنفسكم وعيالكم وربّوا أولادكم على الصلاة، صلاة المراهق هي طوق نجاته، بعض الآباء والأمهات يقذفون بضناهم في بحر المراهقة بلا طوق نجاة أي قلب ميت عند هؤلاء وأذكرك يا من تتمنى أن يكون أولادك من أهل الصلاة والصف الأول وتكره أن ترى منهم تهاوناً في إقامتها، أذكّرك أن أولادك يرغبون في تقليد أفعالك أكثر من طاعة أقوالك في هذا الجانب وغيره، ابدأ بنفسك وتأمل الدعاء القرآني العظيم "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ" (إبراهيم:40)، حرصك على صلاتك أنتقبل حرصك على صلاة عيالك، أفعالك رسائل مستترة توجهها لأبنائك، ليس فقط في صلاتك، لا أبداً بل في كل حياتك، ضع جهدك وهمّك في مواجهة عدوك الحقيقي في سبيل تربية فلذات كبدك، عدوك الحقيقي هي تلك المساحة الفاصلة بين أقوالك وأفعالك.
وأخواتي.. اقتربنا معكم من نهاية هذا اللقاء الذي تحدثنا خلاله عن المراحل العمرية بدأناها بابن السنتين، ثم السيد (لا ) ابن السنتين ونصف، ثم جامع القاموس ابن الثالثة، ثم توقفنا عند القَلِق الخائف ابن الثالثة والنصف، ثم المتمرد العنيد ابن الرابعة، ثم الفيلسوف الصغير ابن الرابعة والنصف، ثم تحدثنا عن مرحلة التوازن والهدوء في الخامسة، ثم التقلب وحب الذات في السادسة، ثم المراحل الثلاث مرحلة التأمل والعزلة في السابعة، والتجربة والمغامرة في الثامنة، والإتقان في التاسعة وما في هذا السن سن التاسعة من بداية الاستقلال الفكري والاجتماعي، ثم انتقلنا معكم للحديث عن مرحلة طلب المكانة الأسرية بالأساليب السلمية وذلك في سن العشر سنوات عرضنا سمات المراحل والأساليب العملية للتعامل مع الظواهر المرافقة للنمو سواء قدرات وطاقات أو سلوكيات تزعج الوالدين عادةً، وسبحان الله الخالق العظيم القائل في كتابه الكريم: "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " ( نوح:14)، ولعل جزءاً محتملاً من معاني هذه الآية الكريمة تأملناه خلال رحلتنا التي سعدنا بصحبتكم فيها .
للامانه
الموضوع منقول من احدى المواقع للكاتبه ام مجاهد
جزاها الله الف خير